الأموال تقيض عباس وإسرائيل

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٣٠/يناير/٢٠١٩ ٠٤:٣٢ ص
الأموال تقيض عباس وإسرائيل

نيري زيلبر

على مدى أكثر من عقد من الزمن، كان التعاون الوثيق بين «الجيش الإسرائيلي» و»قوات أمن السلطة الفلسطينية» «قوات الأمن الفلسطينية» أقوى دعامة استقرار في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني المتقلب، من خلال عملهما معاً للحفاظ على النظام وإبقاء البعض تحت المراقبة في الضفة الغربية. والآن تبدو هذه القوات الفلسطينية - التي تتلقى تدريباتها وأسلحتها وتمويلها من الولايات المتحدة بشكل رئيسي - وكأنها آخر المتضررين من الإغلاق الحكومي الأمريكي الذي اتخذه ترامب.

إن التشريع الأمريكي الذي أقره الكونغرس في العام الفائت، والذي من المقرر أن يدخل حيز التنفيذ في نهاية هذا الشهر، سينهي فعلياً جميع المساعدات المتبقية لـ «السلطة الفلسطينية»، بما فيها قوات الأمن. كما سيخفض التمويل لبعثة أمريكية صغيرة في القدس، يرأسها جنرال أمريكي بثلاث نجوم، التي تساعد على تنسيق العلاقات بين القوات الفلسطينية و»الجيش الإسرائيلي».

وقال مصدران على دراية بهذه القضية لصحيفة «ذي ديلي بيست»، إن التعديلات المحتملة على القانون التي من شأنها السماح باستمرار هذه المساعدات، معلّقة بسبب الإغلاق الحكومي الأمريكي. فضلاً عن ذلك، يؤدي جو المجابهة والأزمة في واشنطن إلى تهميش قضايا ملحة مثل إصلاح التشريعات السيئة.
ومما يزيد الطين بلة، أن قانوناً إسرائيلياً مستقلاً يحجز جزءاً كبيراً من الميزانية الفلسطينية سيدخل أيضاً حيز التنفيذ في نهاية الشهر الحالي، الأمر الذي سيزيد من الضغط على حكومة «السلطة الفلسطينية» التي تعاني من ضائقة مالية، وربما يدفع بقطاع غزة إلى أتون الحرب. إن كل خطوة لوحدها سيئة بما فيه الكفاية، وإذا أُخذت مجتمعةً فهي تمثل وصفة محتملة لمستقبل يسوده العنف.
وقد تمت الموافقة على «قانون مكافحة الإرهاب» قرب نهاية العام الذي شهد قيام إدارة ترامب بقطع جميع المساعدات الأمريكية للفلسطينيين تقريباً: أي مئات ملايين الدولارات التي قُدمت حتى الآن لتمويل «وكالة الأمم المتحدة للاجئين الفلسطينيين»، وبرامج التنمية والبنية الأساسية التابعة لـ «الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية»، ومستشفيات القدس الشرقية، وبرامج المصالحة بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
وكانت الدفعة الوحيدة من المساعدات التي بقيت قائمة - 60 مليون دولار - هي تلك المخصصة لـ «قوات الأمن الفلسطينية» وبعثة «المنسق الأمني الأمريكي» في القدس، مما يسلط الضوء على قيمتها حتى في وجهة النظر المستهجنة للإدارة الأمريكية الحالية. وكما ذكرت صحيفة «ذي ديلي بيست» سابقاً، تعمل «قوات الأمن الفلسطينية» المؤلفة من 30 ألف شخص بشكل وثيق مع «الجيش الإسرائيلي» للحفاظ على القانون والنظام في المدن الفلسطينية، ومكافحة «الإرهاب»، ومنع المظاهرات من التفاقم، وإعادة المئات من الإسرائيليين الذين يدخلون الأراضي التي تسيطر عليها «السلطة الفلسطينية» بأمان إلى إسرائيل.
ومن جانبهم، أوضح الفلسطينيون ما الذي يعتزمون فعله إذا لم يتم تعديل مشروع القانون. وفي هذا السياق، أبلغ رئيس وزراء «السلطة الفلسطينية»، رامي حمد الله، وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في رسالة سُربت إلى الإذاعة الوطنية العامة، بأن «السلطة الفلسطينية» «تُخلي مسؤوليتها كلياً ولم تعد ترغب في قبول أي شكل من أشكال المساعدة المشار إليها في «قانون مكافحة الإرهاب». وأن حكومة فلسطين تختار بشكل لا لبس فيه عدم قبول هذه المساعدة».
ومن الناحية التاريخية، لم تُبدِ الدول الأوروبية البارزة، مثل فرنسا وألمانيا، أي رغبة في التدخل أكثر من تقديم الدعم الصوري. كما لا يزال السؤال مطروحاً حول ما إذا كانت إسرائيل ستسمح لغير الأمريكيين بأداء دور حساس كهذا.
ولكن في مثال آخر على التزامن الغريب بين السياسة الإسرائيلية والأمريكية، أقر الكنيست الإسرائيلي تشريعاً مستقلاً لمكافحة «الإرهاب» في الصيف الفائت يمكن أن يكون له أيضاً عواقب بعيدة المدى. إذ سيشترط القانون أن تحجب إسرائيل أكثر من 300 مليون دولار سنوياً من المبلغ الذي تحوّله من الضرائب إلى «السلطة الفلسطينية»، وهو المبلغ الذي تقول إنه يُدفع سنوياً إلى نحو 35 ألف فلسطيني سواء كانوا معتقلين في السجون الإسرائيلية بتهم الإرهاب أو ينتمون إلى عائلات الإرهابيين المقتولين بحسب التصنيف الإسرائيلي
وكجزء من اتفاقيات السلام السابقة، يرتبط كل من إسرائيل والفلسطينيون اقتصادياً من خلال اتحاد جمركي مشترك. فكل شهر تحوّل إسرائيل إلى «السلطة الفلسطينية» عائدات الضرائب التي تجمعها نيابة عنها. وتُعتبر هذه التحويلات إلى حد بعيد، أكبر مصدر دخل لـ«السلطة الفلسطينية»، ويُقصد بالقانون الجديد خصم ما بين 7 % و10 % من كامل الميزانية السنوية لـ «السلطة الفلسطينية».
وشهدت الأسابيع الأخيرة الآلاف من عمال القطاع الخاص يخرجون إلى شوارع المدن الفلسطينية، احتجاجاً على قانون جديد للضمان الاجتماعي مثير للجدل. ويمكن الآن أن يؤثر العجز الحالي في الإنفاق الحكومي على القطاع العام، الذي هو الأكبر للتشغيل في الضفة الغربية.
ومن المرجح أن يردّ عباس بخفض النفقات الحكومية غير الأساسية، وأبرزها الدعم المستمر الذي تضخه «السلطة الفلسطينية» إلى قطاع غزة المنفصل - الذي تحكمه «حماس» منذ عام 2007. ووفقاً لأغلب الحسابات، تصل هذه الإعانات إلى ما يقرب من 100 مليون دولار شهرياً. ومنذ العام الفائت، هدد عباس مراراً وتكراراً بقطع جميع هذه المساعدات. أما غزة، التي هي على شفا الهاوية من الناحية الاقتصادية والإنسانية، فيمكن دفعها إلى الهاوية، مما يؤدي إلى رد «حماس» بالطريقة الوحيدة التي تعرفها، وهي: تصعيد العنف ضد إسرائيل.
وقال إيفياتار، ضابط المخابرات الإسرائيلي السابق: «إن غزة هي الهدف الأكثر احتمالاً لقطع الإعانات، وهي تخدم منطق عباس. وليس لديه مشكلة من احتمال قيام إسرائيل بحل مشكلته مع «حماس».»
وقال مسؤول فلسطيني بارز لصحيفة «ذي ديلي بيست»، إن الجهود الأخيرة لإيجاد طريق للمضي قدماً في كلا القانونين المقبلين، في حوار مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تسفر عن نتائج. وقال إنه على الرغم من الخلافات السياسية مع الإدارة الأمريكية، «حافظ الفلسطينيون والأمريكيون على علاقة قوية في مجال الأمن»، وهم «فخورون جداً بهذا المجال كشركاء في السلام»، ولكنهم يشعرون أيضاً أنه «خط أحمر»، ولا مساس به.
لقد أغلق الرئيس ترامب الحكومة الأمريكية من أجل بناء جدار الذي غالباً ما يبرره بنجاح الحواجز التي تقيمها إسرائيل. ويمكن أن تؤدي الأزمتان الأمنيتان المندلعتان في الضفة الغربية وقطاع غزة بسبب السياسات المتخذة في واشنطن والقدس، إلى وضع تلك الجدران في موضع اختبار، وهي مفارقة قد تكون مهمة إن لم تكن شديدة الخطورة.

زميل مساعد في معهد واشنطن ومؤلف مشارك
للبحث «دولة بلا جيش، جيش بلا دولة: تطور قوات
أمن السلطة الفلسطينية، 1994-2018»