خصوبة الشرق الأوسط

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٢٤/يناير/٢٠١٩ ٠١:٢١ ص

فرنسواز دو بيلير

بدأ التحوّل الديمغرافي في معظم البلدان العربيّة لفترة من الزمن أمراً مفروغاً منه. فقد كان عدد الأطفال لكل امرأة في انخفاض منتظم. وها هو يعود للارتفاع، مشكّلا ظاهرة نادرة في المجتمعات كافة. ولهذه الظاهرة أسباب عدّة، معقّدة، مناقضة لكلّ الأفكار المسبقة.
تدور عدّة أوهام ومقاربات غير دقيقة حول موضوع الديمغرافيا العربية. ولقد شكّل واقع انخفاض الخصوبة في معظم دول المنطقة أواسط الثمانينيات مفاجأة للمراقبين. فارتفاع مستويات التعليم للذكور والإناث منذ الستنينيات والانحسار التدريجي للزّواج المبكّر ثم انتشار وسائل منع الحمل الحديثة، كانت تفسّر هذا التطور رغم اختلاف النسق وآليات التغيير من بلد إلى آخر. لكن يبدو أن هذه الديناميكية بصدد الانعكاس اليوم. ففي حين أنّ الانخفاض السريع للخصوبة العربية كان يبدو أمراً مفروغا منه،وقد تمّ أخذه بعين الاعتبار ضمن التوقّعات الديمغرافيّة العالمية فإنّ واقع تطوّر جديد قد أحدث انقساما بين الباحثين: يبدو معدّل الخصوبة جامداً في بلدان عدّة (المغرب، وتونس ، وسوريا ، والأردن ارتفع في بلدان أخرى (مصر والجزائر وذلك منذ منتصف عشرية الألفين. أمّا اليوم، ففلسطين ولبنان وبلدان الخليج هي فقط التي تحيد عن انقلاب المنحى الديمغرافي هذا. فعلى سبيل المثال، سجّلت المملكة العربية السعودية معدّل خصوبة كلّي بلغ 2.4 أطفال لكل امرأة عام 2016، وهو أقل من معدّل 3.5 أطفال لكل امرأة المسجل في الوقت الحالي في كل من مصر والأردن.
إنّ انقلاب منحى الخصوبة بهذا الشكل، أمر نادر في التاريخ. وقد حُدّدت أسبابه في البلدان العربية: وهي العودة بنسب متفاوتة إلى الزواج المبكر والاستقرار في مستويات منع الحمل خلال عشرية الألفين.
لقد لاحظنا أن تحرّكات معدّلات الخصوبة خلال العشريات الأخيرة تتبع تقلّبات المداخيل الريعية (الدعم الحكومي للبنى التحتية الاجتماعية وتحويلات العمال المغتربين). فقد شهدت عشرية الألفين استئناف الهجرة الواسعة نحو بلدان الخليج بعد أن حفّز ارتفاع أسعار النفط منذ عام 2003 احتياجات جديدة من اليد العاملة المؤهلة وغيرها. فعلى سبيل المثال في حالتي الأردن ومصر تشير التقديرات لعام 2015 هنالك 700 ألف أردني و2.4 مليون مصري تقريبا يقيمون في دول الخليج، بالأساس في المملكة العربية السعودية وفي الإمارات العربية المتّحدة. ونتيجة لذلك، ارتفعت مبالغ التحويلات المالية من المغتربين المصريين منذ عام 2000 من 2.8 مليار دولار إلى ما يقارب 20 مليار دولار عام 2014، حسب تقديرات البنك الدولي. وبحجم أقل، تضاعفت مبالغ التحويلات المالية نحو الأردن من 1.8 إلى 3.6 مليار دولار بين عامي 2000 و2014، أي ما يقارب 12% من الناتج المحلي الإجمالي للبلد عام 2014. هذا التدفق لرؤوس الأموال الخاصة، تحديدا نحو مصر، قد دعم اقتصاديا الخصوبة المرغوبة كما قد رأينا، والتي كانت تعيقها القيود الاقتصادية سابقا. وبما أن العاملين الأردنيين في الخليج هم من الفئة المؤهلة أو عالية المؤهلات، كما هو الحال لجزء من المصريين، فإن انتعاشة الخصوبة المركّزة بين الطبقات الوسطى تجد بداية تفسير. كما أنّ الهجرة لا تخلّف تحويلات مالية فقط وإنما أيضا اجتماعية وثقافية. فالمهاجرون إلى بلدان الخليج قد جلبوا إلى بلدانهم نماذج وسلوكيات متأثرة بمناخ المحافظة الاجتماعية.

تحرير الاقتصاد وتفاقم الفوارق الاجتماعية
يمكن جمع هذا النوع من التفسيرات مع نزعة أخرى جوهريّة، تتّصف بها بعض بلدان المجتمعات الشرق-أوسطيّة: وهي تفاقم الفوارق الاجتماعية الناتجة عن تحرير الاقتصاد خلال التسعينيات والذي تفاقم خلال عشرية الألفين في البلدين فالطبقات الشعبية والوسطى في بعض الدول شهدت تدهوراً في ظروفها المعيشية بسبب تخلي الدولة عن مهماتها في الخدمات العامّة وفي الضمان الاجتماعي (صحة، تعليم، دعم للمواد الأساسية)، وارتفاع الباحثين عن عمل والفقر والفساد، كما إنّ التحرر الاقتصادي قد كان لمصلحة آخرين، كما يشهد على ذلك النمو الصناعي والعقاري ونموّ مجتمع استهلاكي مُعَوْلَم يمكن ملاحظته في في بعض البلدان . كما إنّ الاقتصادي الاستهلاكي قد شمل أيضا سوق الزواج. فمنذ التسعينيات، ارتفعت مبالغ المهور المقدمة من قبل عائلة الزوج إلى عائلة الزوجة لعقد الزواج وكلفة تجهيز البيت بصفة كبيرة. وهذا ما يفسّر جزئياً الاختلاف في سلوك الخصوبة حسب مستوى التعليم والدخل: فالأكثر فقرا يجدون صعوبات اقتصادية في الزواج كما أن غلاء وارتفاع كلفة التعليم والصحة والمسكن تقلل حكما من الخصوبة لديهم في حين أن الطبقات المتوسطة والعليا مهيئة أكثر لمجابهة “كلفة الإنجاب”.
لا أحد يعرف إذا ما كان ارتفاع أو ركود الخصوبة سيتواصل خلال السنوات المقبلة. إذ يمكن أن تتراجع هجرة المغتربين من الدول العربية إلى دول الخليج، حتى في حالة ارتفاع أسعار المحروقات . فسياسات اليد العاملة الوطنية تهدف إلى الحد من اللجوء إلى العمّال الأجانب، وبصفة أعمّ، فإنّ البيانات الإحصائيّة والمسحيّة ليست كافية لفهم تعقيدات مجتمعات المنطقة واختلاف السلوك، ليس فقط من بلد إلى آخر، ولكن أيضا ضمن نفس البلد. فدراسة التباين في مستويات التعليم والدخل والتعرّض للهجرة تحمل عدّة خلاصات، لكنّ معالجة أكثر دقّة للبيانات تبدو ضروريّة. ويمكن تقييم أثر انسحاب الدولة من توفير الخدمات الاجتماعية، لكنّ وظائف إعادة التوزيع هذه قد اضطلع بها فاعلون آخرون وجمعيّات خيريّة آتية غالبا من منظّمات إسلاميّة. فما كان الأثر الاجتماعي والسياسي لهذه المنظّمات على سلوك الخصوبة ضمن القطاعات الأقل يسراً على المستوى الاقتصادي داخل الطبقات الوسطى المستفيدة من خدماتها؟ لا تمكّن البحوث المسحية من الإجابة على هذا السؤال. كما أنّ ظاهرة أخرى، وهي ظهور العزوبيّة لدى النساء، تحظى أيضا بنقاش واسع داخل مجتمعات المنطقة منذ عام 2000 . إنّه التعايش بين نساء شابات نشطات وعازبات، مستهلكات ومنخرطات في العولمة ونساء متعلّمات أيضا، ولكن متزوّجات قبل سن العشرين، وفي عهدتهنّ أسر ويمكن أن يكنّ متعاطفات مع إصلاحات اجتماعية مستلهمة من أنماط محافظة . وكما بيّنت ذلك الاضطرابات السياسية التي تلت الثورات العربيّة، لا تتطور مجتمعات المنطقة بذات النسق وهي تتسم أكثر فأكثر بتباينات كبيرة. فعودة الخصوبة العربية ليست سوى وجه من وجوه هذه التغييرات العميقة.

خبيرة في علم الاجتماع والسكان وباحثة ومستشارة في شؤون الديموغرافية في العالم العربي