بيع الأخبار الإيجابية

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ١٦/يناير/٢٠١٩ ٠٥:٥٠ ص
بيع الأخبار الإيجابية

شايرة دارك

في أي مكان في العالم، تعتبر الصحافة المستقلة خيارا مهنيا سيئا. فهذه المهنة تتطلب مقاومة رفض نشر الدعايات وتجاهل رسائل الاستفسار وسرقة أفكار المقالات وتأخر الرواتب. وهذا يعني التصالح مع غياب أمن اقتصادي جراء عدم وجدود تأثير في مناقشة الرواتب. لكن بالنسبة للصحفيين المستقلين في أفريقيا، تغطية القارة لها تحدياتها الخاصة.

وفي نيجيريا، مثلا، تحتاج معظم شركات الإعلامية محررين مواظبين ونادرا ما تنشر آراء ومقالات تحليلية واضحة، كما أنها تصارع من أجل دفع رواتب موظفيها بسبب نقص في التمويل. وعبر المقاول في مجال الإعلام والمقدم التلفزيوني في سي إن إن سابقا، الكيني زاين فيرجي عن أسفه لرفض الأثرياء والحكومات في أفريقيا تمويل السياسات التي تدعم المؤسسات الإعلامية المبتدئة في أفريقيا وتطبيقها، رغم أنهم يثورون غضبا على تغطية وسائل الإعلام الغربية المستهجنة. وعندما تباع التغطيات وتشترى، وعندما ينظر إلى الصحافة على أنها جزء من العلاقات العامة المبجلة، لا يحلم الصحافيون المستقلون سوى برواتب معقولة.

لنأخذ على سبيل المثال، مقالا يحتوي على 800 كلمة كتبته لإحدى أكبر الجرائد في البلد؛ فبالكاد نشر هذا المقال وجنيت منه مبلغا زهيدا بقيمة 10000 نيرة (تقريبا 30 دولار)، وهذا بعد أن تساومت مع رئيس التحرير أن يرفع المبلغ من 5000 نيرة. وكنت سأجني من مقال بنفس عدد الكلمات 200 دولارا أو أكثر لو نشر في مصدر إعلامي غربي. وربما ليس مفاجئا أن ينجذب العديد من الصحفيين المستقلين- بما فيهم أنا شخصيا- نحو وسائل الإعلام الغربية. لكن هذا يؤدي إلى مشاكل أخرى، مثل التركيز المبالغ فيه على الأزمات والخلافات والقضايا الأخرى المتعلقة بالمتتبع الغربي. لقد مررت بهذه التجربة بنفسي. فذات مرة، نشرت مقالا يتحدث عن بارالامبي نيجيري في موقع إلكتروني في الولايات المتحدة الامريكية، وغالبا ما يبرز هذا الموقع مواهب الكتاب الأفارقة.لكن رئيس التحرير رفض المقال لأنه كان يحمل «تفاؤلا» بشكل مبالغ فيه. ومرة أخرى، حاولت مجلة غربية اقتراح تعديل لمُسَودتي يقول أن أبوي لاجئة لقيا حتفهما على أيدي الميليشيات المسلحة، بينما في الواقع، لم يفصح عن أسباب وفاة والدها، أما والدتها فقد توفيت بعد معاناتها من المرض.
وكما أشارت إلى ذلك كارين روث ماير منذ ثمان سنوات في مجلة كولوبيا جورنليزم، يبدو أن المنابر الإعلامية الأجنبية مدينة لفكرة أن أفريقيا دائما ما في فوضى. واقتفت روثماير، التي عاشت في كينيا لعدة سنوات، أثر التيار اللامتناهي للأخبار السيئة لتستعملهما المنظمات غير الحكومية لإثبات البيانات التي تستعملها، والتي بدورها شكلت «أطر المراجع» التي يعتمد عليها المراسلون الغربيون قبل وصولها إلى القارة. وبعد ثمان سنوات، لم تتغير هذه المراجع فعلا.
لكن انحياز رؤساء التحرير ليس التحدي الوحيد الذي يواجهه الصحفيون المستقلون الأفارقة. تكمن المشكلة الآخرى في النزول إلى مرتبة «مساعد كاتب أو «عامل إصلاح» أثناء المساعدة في وسائل الإعلام الغربية. وتصف المصورة الصحفية فاتي أبو بكر، التي تعتبر مرجعا للمراسلين الأجانب الذين يكتبون عن نيجيريا الشمالية، الوضع ب» علاقة من نوع هجرة الأدمغة»، وتقول أن خدماتها الاستشارية ينبغي أن تكافأ، لكن نادرا ما يحدث ذلك. وإن تغير هذا الوضع فمن الواضح أن الصحافيين المحلين سيستفيدون وستتفادى وسائل الإعلام الأجنبية القيام بارتكاب أخطاء ثقافية خطيرة ومحرجة، مثل الكشف عن هويات ضحايا الاعتداءات أو تصوير جثث الموتى. كما تكمن المشكلة الآخر في الفرق في الرواتب بين الصحافيين الأفارقة والغربيين. إذ تتوقع العديد من المنشورات أن يتقاضى الصحافيون المحليون أقل من نظرائهم الغربيين. عندما بدأت أبوبكر مشوارها الصحافي، كانت تقبل كل عروض العمل، لكنها الآن، بعد أن أصبحت مصورة معروفة، أصبحت قادرة على رفض عروض العمل القليلة الأجر. لكن معظم الصحافيين في أفريقيا ليسوا محظوظين كثيرا، مما يجعلهم يسقطون ضحايا نزوات رؤساء التحرير المسؤولين عن الدعايات. وبعيدا عن توكيل الصحافيين الأفارقة بتقديم وجهة نظر تتميز بالفطنة- وهو أقل شيء يمكننا توقعه- يمكن للمنشورات الغربية أن تحسن من تغطية القارة الأفريقية عن طريق مراقبة آراء الصحفيين المستقلين المشاركين. وسيكون من الجيد أيضا بالنسبة لوسائل الإعلام الغربية أن توظف في «المكاتب» المتفانية والنشيطة، صحافيين محليين ورؤساء تحرير أفارقة يتمتعون بتجربة في تحديد المواضيع وتأطير التغطية بطريقة تخدم القراء بشكل أحسن. والأهم من كل هذا، ينبغي أن تساعد الحكومات والمنظمات الخيرية الأفريقية المؤسسات الإعلامية المبتدئة، وينبغي أن تدفع شركات الإعلام أجورا جيدة للصحافيين، وأن توفر دورات تدريبية محرريها بشكل لائق، ومقاومة إغراء قبول المال للتغطية. فقط حينها، ستحظى المقالات الأفريقية بالاهتمام الذي تستحقه، وستُكتب من طرف صحافيين لا يحملون عبئ النزوح إلى الصحافة الغربية.

كاتبة مستقلة تقيم في لاجوس