
علي بن راشد المطاعني
شهدت العديد من ولايات السلطنة إفتتاح مجالس عامة في خطوة تكرس أهمية السبلة في حياة الشعب العُماني والتأكيد على تقاليدها وأصولها الممتدة إلى النقطة البعيدة الغائرة في جذور التاريخ، ثم في ذلك إقرار بقيمها المعروفة في تأصيل الخصال الحميدة المتمثلة في تعزيز القيم والعادات والتقاليد العُمانية الأجتماعية الأصلية وتعكس معاني التلاحم المجتمعي والتآخي والتآزر بين أفراد المجتمع في بلورة مثل هذه التوجهات المجتمعية الرائدة والتي تشعر الفرد بالفخر والزهو إزاء حقيقة أن هذه الموروثات باقية لاتزال تواجه بعزيمة لاتلين مد طوفان المدنية الحديثة وهو طوفان قادر على إقتلاع كل مايجده أمامه من أصالة، غير أنه وعندما حاول هذه المرة إنقلب على اعقابه يجرجر أذيال الإنكسار.
إن توالي إفتتاح المجالس العامة في الولايات والحارات العُمانية يبعث على الإرتياح والإعتزاز لجهة إنه يؤكد تمسك المجتمع بتقاليد السبلة العُمانية الأصيلة كإرث تاريخي خالد يتجدد مع الأجيال بثوب جديد يأخد بمتطلبات العصر من حيث الحجم والإتساع والمظهر العام، مع بقاء المظهر العام الخارجي مستوحى بالطبع من مكونات التراث العُماني خاصة معظم واجهات وأشكال المجالس العامة التي تعكس الطابع المعماري العُماني المميز في تشييد القلاع والحصون والمآثر العُمانية الخالدة والباقية أبد الدهر لتبعث برسالة واضحة للأجيال القادمة بأهمية الإرتباط بهذا الإرث العظيم وتجديدة بما يتواكب مع المتطلبات المدنية بكل مكوناتها الحديثة لتلبي الإحتياجات المستقبلية وتتكيف مع طبيعة الإستخدامات المجتمعة على إختلافها.
فالأهمية الكبيرة لهذه المجالس ستبقى حية إزاء غرس سجايا القيم الحميدة في نفوس الناشئة من الأجيال الصاعدة وإكسابهم أخلاقيات وأدبيات السبلة العُمانية بكل معانيها الشاهقة نبلا.
ومن الدلالات المهمة للسبلة حقيقة أنها تعكس مدى وعمق الإرتباط والتلاحم والإنسجام والتناغم بين أفراد الحي أو النيابة أو الولاية الواحدة وتفعيل ما يخدم حياتهم الاجتماعية، متعاضدين ومتكاتفين في إنشائها على نفقتهم الخاصة وبمساهمة من الخيرين من أبناء هذا الوطن في واحدة من أروع صور الوفاء ونكران الذات لأجل عيون الوطن.
فهذه المبادرات تفتح في الواقع آفاقا أوسع لأبناء المجتمعات المحلية للمزيد من التفاعل والتجانس بينهم على إختلاف مشاربهم، هذا فضلا عن الحاجة الماسة لها في تلبية متطلبات الأفراح والأتراح على حد سواء، كما هي الملتقى الذي لاغنى عنه في الأعياد والمناسبات كافة.
ولايمكننا أن ننسى بأن هذه المجالس تخفض من التكاليف المالية لإقامة المناسبات فالناس يتباينون في قدراتهم المالية كما نعلم، ومن هنا تستمد زخم جدواها واهميتها الاجتماعية بإعتبارها حافلة بالمعاني الخيرة والتي تؤكد أيضا خصوصية المجتمع العُماني وتميزه بإرث إجتماعي قل أن نجد له مثيلا في مجتمعات الدول الأخرى.
بالطبع أن إنشاء المجالس العامة يهيئ المجتمع إلى زيادة المبادرات والتفاعل مع قضايا المجتمع والحض على أعمال الخير وتوجيهها للأسر المحتاجة في الأحياء والقرى، فالمجالس العامة توفر فرصا فريدة لأبناء المجتمع لبلورة الكثير من الحلول المجتمعية الفاعلة.
نأمل أن تكلل هذه الجهود الرائعة بالتوفيق والنجاح والفلاح، وأن تسهم في الحفاظ الموروثات العُمانية الأصيلة وإحيائها وتسخيرها لخدمة المجتمع وإثراء معنى التكافل والتعاضد والتلاحم بين أفراده المتحابين في الله والوطن.