هذا قدرك عزيزتي شجرة الغاف

مقالات رأي و تحليلات الخميس ١٠/يناير/٢٠١٩ ٠٥:١٣ ص

شوقي بن عبد الرضا سلطان

ليس من عادتي أن أكتب لكائن حي في فراش الموت، ولكن للأسف يتحتم علي القيام بذلك من أجل تخفيف وطأة الحزن الذي يسيطر علي ويتنامى في نفسي بسبب معرفتي بأنك على وشك أن يتم اجتثاثك، مما ولد لدي رغبة عارمة في أن أقول كلمة في وداع صديق قديم فاخترت هذه الطريقة للتعبير عن ذلك الحزن.

لقد كانت المرة الأولى التي التقيتك فيها منذ 41 سنة تقريبا، كنت في الثلاثين من عمري آنذاك، ولكن بدا لي بأنك أكبر سنا، لا أدري متى تم غرسكما أنتِ وتوأمك، ولكنني أقدر أنك كنت في الخمسين من عمرك حينها.
خلال السبعة والثلاثين عاماً التي حظيت فيها بجوارك، أدركت كم أنت جارة قوية وودودة.. لقد قاومت العواصف التي اجتاحتك عبر السنين بما فيها ذلك الإعصار المسمى «جونو» والذي اقتطع 50 مترا من شارع الشاطئ ولكنك واجهتي كل ذلك بابتسامة واثقة! وعدتِ من جديد لهدوئك المعهود.
سوف لن أنسى ذلك التاريخ أبداً وسيظل محفورا في ذاكرتي «15 فبراير 2015» تلقيت في ذلك اليوم اتصالا من بيتي طالبين مني العودة بسرعة حيث كان أحدهم بجانبك مع منشار كهربائي وكان قد أضمر شرا..
في فترة وجيزة كنت بجوارك ورأيت كيف أنك فقدتي بعض الفروع وعددا من الأغصان.
بينما كنت أسعى لإقناع ذلك المعتدي، مرت بنا سيارة كان يستغلها اثنان من المسؤولين العمانيين، واللذين عرفت فيما بعد أنهما كانا مشاركين في مؤتمر حول البيئة بفندق كراون بلازا فشاهدا ما كان يدور ولكونهما ينتسبان لوزارة البيئة كانا حريصين على معرفة المزيد، وما إذا كان أحدهم لديه تصريح باجتثاثك، ومن الواضح، أنك لم تكوني شجرة غاف عادية بل تتمتعين بالحماية، ذلك التنويه كان واضحا على جذعك باللون الأحمر.. قام المسؤول بإطلاع ذلك المتعدي وأبلغه بأنه في حالة أن اقترب منك مرة أخرى فسينتهي به الأمر كضيف دائم في مراكز الشرطة.
قال بعضهم بأنهم أحبوك لأنك غير مؤذية وكريمة، حيث اتخذت أعدادا كبيرة من الطيور والكائنات الأخرى مقرا لها، وكنت على يقين أنه في شبابك ومنذ أمد بعيد وقبل أن يتم بناء موقف السيارات حولك وفرت الظل لكثير من الأسر والذين استظلوا بظلك الوريف لتناول القهوة والتمر، ولربما نام بعضهم تحتك. وأنا استبعد ما نسب إليك زورا بأن الجن يتملكك ليلا.. قليلون هم من يعرفون أنك أثناء الليل تنتجين كمية كبيرة من ثاني أكسيد الكربون والذي يؤدي في بعض الأحيان لاختناق من ينامون تحتك ليلا!
أنت شجرة عمانية اصيلة جذورها ضاربة (هذه ليست تورية) وهذه أنصح دائما بزراعة المزيد منك ولكن بسبب بطء نموك يفضل الكثيرون زراعة شجرة الفكوس سريعة النمو.. وبالتالي يزرعون شجرة «غريبة» والتي على النقيض منك تستهلك كمية كبيرة من المياه وتندثر بسرعة.
والآن اقتضى الجشع أن تتم التضحية بوجودك لأجل الحصول على المزيد من مواقف السيارات.. هكذا هي الحياة!
لقد علمت بأنه سيتم نقلك لموضع أفضل، على سبيل التجربة فلا أحد يدري هل ستكون ناجحة أم لا، وأنت في سن التسعين، بعرض خمسة أمتار وارتفاع تسعة أمتار وتمتد الأوراق بينكما لخمسة عشر مترا (أما وزنك فلقد ظل سرا ولكنك ليست بالهزيلة على أية حال) ليتم ترحيلك، الله وحده يعلم كيف سيتم هذا النقل إلى مقرك الجديد في محمية القرم الطبيعية.
سيكون الأمر عظيما إذا تمكنت من اجتياز هذه الرحلة بنجاح رغم إنني أشك في ذلك، أنا غير واثق ما إذا كان من هو في سنك وبحجمك سيكون بمقدوره تحمل قسوة وآلام الاجتثاث من الجذور.. أنا اعتقد بأن جذورك تمتد لاعماق تضاهي ارتفاعك ولكن ما أراه عندما ألقي نظرة على ما قاموا بعمله لنقلك، هو الحفر بعمق متر واحد، هل ستضحين باقتطاع ثمانية أمتار من آلية تغذيتك؟
كنت آمل على الدوام وفقا لنواميس الطبيعة أن أغادر هذه الدنيا قبلك، ولكن حتى في هذه ربما الحقتي بي الهزيمة! إذا حدثت معجزة وتمكنتِ من تجاوز هذه المحنة، فأرجو أن تيقني يقينا تاما بأنني وأسرتي سنقوم بزيارتك وكذلك سيفعل كثير من العمانيين للاستمتاع بارتشاف أكواب القهوة وتناول التمر تحت ظلك الظليل.. ومن ناحية أخرى، إذا شاءت الأقدار أن تموتين فإنك ستكوني قد فعلت ذلك بكل كبرياء وشموخ بعد أن كنت سببا لسعادة آلاف الناس طيلة العقود الماضية، صديقك الحزين والذي ليس بوسعه فعل شيء.