
خالد البحيري
elbeharyk@gmail.com
مع شروق فجر جديد على عمان؛ وكعادته التي لازمته منذ طفولته، قصد مؤسس «تايمز أوف عمان» الأستاذ عيسى الزدجالي -رحمه الله- نهر المصلحة العليا للوطن ليـــــجدد وضوءه، متوجها نحو محراب «الإعـــــلام التنموي»، يرفع أكف الضراعة إلى الله العلي القدير أن يعينه في مسعاه وأن تكون صحيفته الوليدة ضمن سواعد البنـــــاء، وأن تصل صفحاتها بهذه التجربة الجديدة إلى آفاق تتخطى حدود عُمان، وتحمل بين طياتها الصورة الجديدة لوطن يتــــوق إلى استعادة أمجاده، ويرنو إلى العالمية بأسرع ما يمكن، فركب الحضارة الإنسانيــــــة قد تحرك، وها هي عُمان تحجز مقعدها الوثير ضمن الساعين نحو التقدم والمدنية.
وعطفا على ما سبق فقد طرحنا في المقال السابق من هذه السلسلة سؤالا جوهريا حول أهم ملامح الخلطة السحرية التي قام بتوليفها الأستاذ عيسى الزدجالي -رحمه الله- ليوازن بين متطلبات مرحلة شديدة الدقة من تاريخ عُمان الحديث وبين رغبات واهتمامات مئات الآلاف من القراء من جنسيات متعددة وخلفيات ثقافية شتى.
الحقيقة التي لا تقبل الشك أن التجرد من الأهواء الشخصية والمصالح الضيقة كأن أبرز ما يدمغ شخصية الزدجالي، فلم يكن يسعى من تأسيس مطبوعته إلى منصب تمنحه له الحكومة كمكافأة على مجهوداته، ولم يكن يخطط لأن يصبح وزيرا أو عضوا بأحد المجالس النيابية عبر مقالات يكتبها، أو مبادرات يطلقها ظاهرها الوطنية وباطنها جني الأرباح والمكاسب المادية والمعنوية، وإنما كان المحرك له هو مصلحة الوطن، لا شيء يعلو فوقها، وبالتالي كان الوصول إلى أهدافه محفوفا بالتوفيق، ومسعاه مكللا بالنجاح حتى أصبحت «تايمز أوف عمان» اليوم في مرتبة الصدارة بين شقيقاتها الناطقات بغير اللغة العربية ليس في عمان فقط، بل في منطقة الخليج أيضا.
وبما أن الصحيفة هي وسيلة عبور المعلومة إلى الجمهور فإن الأمانة والمصداقية يجب أن تكون العنوان العريض لكل ما تحمل بين طياتها من قوالب وفنون العمل الصحفي، وهو ما تميزت به «تايمز أوف عمان» طوال تاريخها وحتى اليوم، حيث الرصانة في الطرح والموضوعية والتأكد من مصدر الخبر وملاءمته للنشر وتأثيراته المتوقعة.
وخلال نحو 44 عاما لم تُضبط الصحيفة متلبسة بنشر خبر مفبرك، أو مقال يؤلب الجماهير، أو يشوش على الرأي العام، ولم تسمح لكاتب أن ينفث سمومه بين سطور مقالاته، فهذه النافذة مفتوحة فقط لأفكار البناء والتعمير ونقل ثقافات الآخر، والاستفادة من التجارب الناجحة، والتنبيه على جوانب القصور دون التجريح أو تصفية الحسابات أو النيل من سمعة الهيئات والمؤسسات والأفراد.
ومن الأمانة والمصداقية إلى المواكبة ومعايشة الأحداث ونقلها للجمهور المستهدف دون زيادة أو نقصان، فعلى مدار سنوات طويلة كان الزدجالي -رحمه الله- يتنقل مع حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله ورعاه- من عاصمة إلى أخرى ويرى ويسمع كيف يبني السلطان الحكيم قواعد المجد والعزة والكرامة، ويؤسس لعلاقات خارجية متينة تقوم على الود والاحترام وتتصدرها مصلحة الشعوب وأمنها واستقرارها.
وقبل أن يعرف العالم العربي من المحيط إلى الخليج تعبير «ميثاق الشرف الصحفي» كان رئيس تحرير «تايمز أوف عمان» قد اختط بنوده وبدأ في تطبيقها، فبالإضافة إلى ما سبق الإشارة إليه قبل قليل كان عدم إطلاق الأحكام المسبقة، وتوخي الدقة والوضوح في المصطلحات والتعابير المستخدمة في التغطية الصحفية، أكثر ما يوصي به أبناءه وزملاءه من العاملين في الصحيفة، بالإضافة إلى احترام الأديان السماوية والقيم المجتمعية وآداب وتقاليد المهنة، والحوار وتجنب الدخول في ملاسنات شخصية.
ودون مبالغة كان ترتيب وصياغة أولويات المواد المنشورة في «تايمز أوف عمان» يعكس الأولويات الحقيقية للمجتمع العماني، ويراعي أولويات كل مرحلة من مراحل النهضة ولا يقفز من مرحلة لأخرى أو يحرق مرحلة، فكل فترة زمنية من عمر النهضة كانت تضع لبنة في صرح التنمية المستدامة، ولم يقصر الرجل -الزدجالي- في فهم ذلك أو تقديم العون والدعم الإعلامي لهذا.
ويتبقى لنا قبل أن نغادر هذا المحور أن نشير إلى ملمح آخر من ملامح الخلطة السحرية لـ«تايمز أوف عمان» وهو ما يمكن أن نطلق عليه «إنسانية الإدارة» فقد كان الاهتمام بالعنصر البشري وتأهيله وتطويره والاستعانة بالفائقين من الصحفيين وكتاب الرأي العالميين إحدى أهم الأدوات التي اعتمدها الزدجالي طريقا للتميز والإبداع.
وللحديث بقية الأسبوع المقبل..