حياتنا أكثر سعادة بفعل الخير

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٠٦/يناير/٢٠١٩ ٠٤:٤٩ ص
حياتنا أكثر سعادة بفعل الخير

أحمد المرشد
يبدو أن عالم السياسة الذي ننغمس فيه بحكم أعمالنا ملئ بالمنغصات، وهذا يعني لي الخروج مؤقتا عن هذا العالم الصعب بأزماته ونكباته خاصة وإننا في عالمنا العربي لا نري أمامنا سوي المآسي، فكلنا يئن من التدخلات الإقليمية والدولية في شؤون المنطقة، ولهذا سنترك هذا العالم قليلا الى غيره من الطيبة والصدق وفعل الخير.

ونبدأ بحكايتنا الأولي وهي مروية عن عالم «السوشيال ميديا» ولكن بتصرف، وتقول إن عالما جليلا وهبه المولي عز وجل الحكمة والبصيرة، وزاد عليها نعمة المال والجاه، وبينما هو جالس مع تلاميذه يوما ما، إذ دخل عليهم رجل غريب عن البلدة ولم يتعرف عليه أيا من الجلوس، واستغربوا جميعها مجيء هذا الغريب خاصة وإنه لم يبد عليه مظهر طلاب العلم، ولكنه بدا للوهلة الأولى كأنه عزيز قوم أذلته الحياة..لم يكترث الغريب بنظرات الطلاب، وألقي السلام علي الحاضرين والعالم الجليل، وكان كل الذي يهتم به قارورة الماء التي لم تفارقه وهو يستمع بإنصات للعالم ومداخلات طلابه.

طال حديث العلم وقبل أن ينتهي قطع العالم حديثه للطلاب والتفت الى الرجل الغريب، وتفرس في وجهه، ثم سأله: «ألك حاجة نقضيها لك؟! أم لك سؤال فنجيبك؟».. فرد الضيف: لا هذا ولا ذاك، وإنما أنا تاجر وسمعت عن علمك وخلقك ومروءتك، فجئت أبيعك هذه القارورة التي أقسمت ألا أبيعها إلا لمن يقدر قيمتها، وأنت -دون ريب- جدير بها لما لك من حكمة وبصيرة. فقال العالم: :»ناولنيها»، فناوله إياها، فأخذ العالم يتأملها ويحرك رأسه إعجابا بها، ثم التفت الى الضيف وسأله: «بكم تبيعها؟» فقال: بمائة دينار، فرد عليه العالم: «هذا قليل عليها، سأعطيك مائة وخمسين»، فرفض الضيف هذه الزيادة وأصر على المائة دينار دون زيادة أو نقصان.
وهنا اقتنع العالم الجليل بقيمة الصفقة وطلب من ابنه أن يحضر له المائة دينار من المنزل. واستلم الضيف الغريب المبلغ المتفق عليه ومضى في حال سبيله حامدا شاكرا، ثم انفض المجلس وغادر الطلاب الحاضرون، وجميعهم متعجبون من هذا الماء الذي اشتراه عالمهم بمائة دينار!..دخل العالم الى مخدعه للنوم، ولكن الفضول دعا ولده إلى فحص قارورة الماء ومعرفةِ ما فيها، حتى تأكد- بما لا يترك للشك مجالا- أنه ماء عادي. فدخل الى غرفة والده مسرعا ومندهشا وقال له: يا حكيم الحكماء، لقد خدعك الغريب، فوالله ما زاد على أن باعك ماء عاديا بمائة دينار، ولا أدري أأعجب من دهائه وخبثه، أم من طيبتك وتسرعك؟. فابتسم الوالد هادئ الطباع وضحك في وجه ابنه الغاضب من شرائه قارورة الماء بمائة دينار، ثم ضحك وقال لابنه:

«يا بني، لقد نظرت ببصرك فرأيته ماء عاديا، أما أنا، فقد نظرت ببصيرتي وخبرتي فرأيت الرجل جاء يحمل في القارورة ماء وجهه الذي أبت عليه عزة نفسه أن يريقه أمام الحاضرين بالتذلل والسؤال، وكانت له حاجة إلى مبلغ يقضي به حاجته لا يريد أكثر منه.. والحمد لله الذي وفقني لإجابته وفهم مراده وحفظ ماء وجهه أمام الحاضرين».. واستطرد العالم الجليل:»ولو أقسمت ألف مرة أنَ ما دفعته له فيه لقليل، لما حنثت في يميني.. فماء الوجه لا يقدر بثمن». ومن آخر جملة قالها العالم نخرج بمعني القصة، فمن يحافظ علي ماء وجهه لا يجب أن نرد طلبه، وإذا لم تستطع أن تسمع صمت أخيك، فلن تستطيع أن تسمع كلماتِه.

والقصة الثانية بطلها رجل مسن دخل المستشفي لإجراء بعض الفحوصات الطبية ، فأبلغه الأطباء أنه يعاني مرضا خطيرا في قلبه الضعيف ولابد من إجراء عملية جراحية خطرة وربما يعيش بعدها أو يفارق الحياة. فطلب المريض من الأطباء مهلة بعض الوقت ليعود الى أولاده ويسلم عليهم ويرجع الأمانات التي لديه الى أصحابها ثم يعود للمستشفي لإجراء العملية، فطلب منه الأطباء ألا يتأخر لأن مرضه خطير ولا يستدعي أي تأخير. رجع الرجل الى عائلته وجلس مع أولاده وودعهم جميعا لأنه ربما لن يرجع إليهم مرة أخري وسلم عليهم وغادر المنزل. ثم ذهب الى صديق له ليودعه هو الآخر وكان بالقرب من منزله محل جزارة لبيع اللحم فلمح امرأة عجوز بيدها كيس تجمع به فضلات الطعام من القمامة، فذهب إليها وسألها: ماذا تفعلين؟ فردت بصوت مكسور: لدي خمس بنات صغيرات ولا أحد يعيلهن، ومن سنة كاملة لم يذقن أي قطعة من اللحم، ففضلت أن أجمع بقايا الطعام لعل البنات يشممن رائحة اللحم علي الأقل. فبكي الرجل من حالها وذهب بها الى الجزار القريب وطلب منه أن يعطي المرأة العجوز أي كمية من اللحم علي حسابه كل أسبوع، فرفضت المرأة بشدة، إلا أن الرجل أصر أن تأتي كل أسبوع وتأخذ ما تشاء من اللحم، فقالت: لا احتاج سوي كيلو واحد، ولكن الرجل أبلغ الجزار أن يعطيها ضعف الكمية التي تريدها من اللحم لمدة عام ودفع الحساب مقدما. فما كان من العجوز إلا أن دعت له وهي تبكي، فشعر الرجل بنشاط كبير وهمة عالية، ثم عاد الى منزله وهو سعيد للغاية حتي قالت له ابنته: يا أبي وجهك متغير تماما، فأخبرها بقصة العجوز، حتي أجهشت الابنة في البكاء ودعت لوالدها أن يمن الله بالشفاء من مرضه، وقالت لأبيها: قلبك طيب جدا.
وفي صباح اليوم التالي، ذهب الرجل الى المستشفي لإجراء العملية الجراحية، فأبلغه الطبيب المعالج وهو متعجب: يا رجل أخبرني أين عولجت بالخارج؟.. فسأل الرجل الطبيب: ماذا تقصد؟ فرد الطبيب: أين ذهبت ولأي مستشفي لجأت؟، فكان رد الرجل بالنفي تماما فهو حقيقة لم يذهب الى أي مستشفي أو طبيب آخر، وقال : فقط سلمت علي أولادي ورجعت. فرد الطبيب بتعجب: لا أصدقك فقلبك أصبح سليما ولم تعد تعاني من الأوجاع التي جئتنا بها المرة الفائتة ، فقلبك سليم تماما. فتعجب الرجل وقال للطبيب: ماذا تقصد؟..ليرد الطبيب ويسأل الرجل وهو مستغرب ما يراه: قلبك سليم، فإما أن يكون الرجل لست أنت أو إنك ذهبت الى مستشفي أخرى، وأرجوك أن تبلغني بالدواء الذي كتبوه لك هناك. زاد استغراب الرجل ليقسم للطبيب بأنه لم يذهب لطبيب أخر أو يتناول أي دواء، وإنما ربنا الشافي المعافي قد كتب له الشفاء بسبب دعاء امرأة عجوز «فما تقدمون لأنفسكم من خير تجدوه عند الله فهو خير وأعظم أجرا».
فلا يجب أن نستهن أبدا بعمل الخير حتي لو كان صغيرا، فقد يكون أثره كبيرا، وصدق رسولنا الكريم الذي قال :»داوي مرضاكم بالصدقة».
نعم..نستطيع أن نجعل حياتنا جميلة بفعل الخير للآخرين، فقد يرد إلينا بدعوة صادقة، فالدعاء عندما يكون خالصا لله، له أجر عظيم.

قبل الأخير..

حقا يستحق صاحب السمو الملكي الأمير خليفة، خالص دعواتنا له بدوام الصحة، ويكفيه رصيده من حب شعب البحرين والشعوب العربية كافة لسموه، فهو صاحب المجهود الوافر والعطاء ولا يزال يواصل مسيرة المجد والنماء والخير..»حقا دمت ذخرا لنا يا أبو علي».

كاتب ومحلل سياسي بحريني