دومينيك فيدال
ربما لا ينال الانجراف نحو السلطوية والفاشية في دولة إسرائيل ما يستحقه من اهتمام الإعلاميين أو المسؤولين السياسيين الأوروبيين، غير أن هذا الانجراف أصبح حقيقة تنذر بخطر يحيق بالشرق الأوسط بأكمله. أن لهذه الظاهرة ثلاثة أبعاد رئيسية اولها “الوطن القومي للشعب اليهودي”.
فأول هذه الأبعاد وأهمها يتعلق بالمشروع الاستيطاني في فلسطين والذي يشهد منعطفاً تاريخياً. فالسلطات الإسرائيلية كانت تتظاهر إلى حد الآن بقبول ما يدعى “حل الدولتين”، بما في ذلك بينيامين نتنياهو منذ خطابه الشهير في عام 2009. لقد كانت هذه السلطات تسرع عمليات الاستيطان بكل تأكيد ـ الصحيفة اليومية هآريتز صرحت العام 2017 بوجود 700000 مستوطن يهودي، هم 470000 في الضفة الغربية، و230000 في القدس الشرقية ـ ولكنها مع ذلك أبقت على نوع من الغموض حول وضع الأراضي المحتلة.
من مزايدة إلى أخرى، بتحفيز من التجديد المتوقع لنتنياهو، فرض باقي قادة التحالف الرئيسيين تغييراً في المسار. فوزير التعليم والشتات، ورئيس الحزب البيت اليهودي نفتالي بنت، يكرر دون كلل: “طريق التنازلات، طريق التقسيم قد فشل. علينا أن نبذل أرواحنا لضم الضفة الغربية”. ولقد قرن أقواله بأفعال حين جعل البرلمان يصوت على قانون في السادس من فبراير 2017. يشرع هذا القانون بأثر رجعي سلسلة من “البؤر الاستيطانية” (علماً أن هذه المراكز الاستيطانية المتقدمة كانت غير قانونية حتى بنظر اليمين الإسرائيلي) ويسمح بالتالي بمصادرة الأراضي الفلسطينية الخاصة فاتحاً الباب أمام مدّ السيطرة الإسرائيلية على المنطقة ج، التي تشغل 60% من قطاع غزة، إن لم تكن سيطرة على القطاع بأكمله. هذا القانون الذي يُدعى قانون “تسوية”، والذي لقبه بيني بيجين، ابن رئيس الوزراء السابق، بـ“قانون اللصوص” ما زال مجمداً في المحكمة العليا إلى حد الآن. إلا أن هذه المحكمة قد أصبحت بدورها هدفاً لهجمات الحكومة، التي تود تغيير تركيبتها وتخفيض صلاحيتها.
هناك مشروع قانون آخر ينص على إلحاق خمس كتل استيطانية تقع في شرق القدس، وفي نفس الوقت يحول دون أن تصبح القدس الشرقية عاصمة دولة فلسطين. لكن بحسب نتنياهو، ما زال هذا المشروع يحتاج “تحضيراً دبلوماسياً”. بانتظار ذلك، أقر الكنيست تعديلاً جديداً لقانون أساس القدس، بناء على اقتراح نفتالي بنت. وحسب هذا التعديل لن تتمكن الحكومة من التخلي عن أجزاء من المدينة للسلطة الفلسطينية إلا بموافقة أغلبية 81 عضواً من أعضاء الكنيست (من أصل 120) بدلاً من 60 عضواً. كما يسمح القانون باقتطاع أحياء فلسطينية تقع خلف الجدار، وجعلها “كيانات منفصلة” وإخراج هذه الأحياء من القدس إدارياً، ما يعني أن السكان لن يعودوا “مقيمين”.
“إن تم تنفيذ تقطيع حدود البلدية بهذا الشكل، فإنه سيقلل عدد سكان المدينة من الفلسطينيين بـ120 ألف شخص، وسيزيد 140 ألف مستوطن إسرائيلي إلى السكان، وبذلك يقلص القسم الفلسطيني من المدينة إلى 20 % (بدلاً عن 37 % حالياً)” هذا ما ورد في تقرير سري سنوي لقناصل الاتحاد الأوروبي في القدس، لخّصه الصحفي رينيه باكمان. بمعنى أصح، لقد قرر بناة إسرائيل الكبرى، بغض النظر عن التنافسات بينهم، انتهاك جميع قرارات الأمم المتحدة صراحةً وعلانيةً، ودفن ما يطلق عليه “حل الدولتين” ليستبدل بدولة واحدة: دولة فصل عنصري، يُحرَم فيها الفلسطينيون الملحقون من حقوقهم السياسية، بدءاً من حق التصويت. الجدير بالذكر من ناحية التعداد السكاني، عدد السكان اليهود يقارب عدد السكان العرب في أرض فلسطين التاريخية: حوالي 6,6 مليون نسمة. اما ثاني الأبعاد فهي ترسانة قوانين وأد الحرية فقادة اليمين المتطرف يدفعون بقضيتهم أيضاً عن طريق استفزازات ضخمة. فوزيرة العدل مثلاً، أيليت شكد، لم تتردد في نشر نص على صفحتها على الفيس بوك، أثناء حرب غزة الأخيرة، يعتبر “سائر الشعب الفلسطيني عدواً لإسرائيل” ما يبرر “تدميره، بمسنّيه ونسائه، ببيوته وقراه”. ودعا نفتالي بنت من ناحيته إلى قتل جميع “الإرهابيين” بدل سجنهم. وقال.شارحاً “لقد قتلت الكثير من العرب، ليس ثمة أي مشكلة في ذلك” أما أفيغدور ليبرمان فيؤكد أن “لا مكان للإسرائيليين العرب هنا. لهم أن يحملوا متاعهم ويختفوا” مضيفاً: ومن يعارضنا يستحق قطع رأسه بفأس» كما أنه يقترح نقل السجناء الفلسطينيين “إلى البحر الميت لإغراقهم”...
إلا أن هؤلاء المتطرفين يعرفون أن هروبهم إلى الامام قد يثير بمرور الوقت ردود أفعال سلبية فى الرأي العام. إن كان غياب بدائل يسارية قد دفع الإسرائيليين دوماً أكثر إلى اليمين، إلا أن لهذا التطور حدودا: فعلى سبيل المثال، رأى نصف المشاركين في أحد استطلاعات الرأي أن الاستمرار في استيطان قطاع غزة “ليس حكيماً” وعارض 53% منهم إلحاقها.2 هذا ما يشرح البعد الثاني من أبعاد تطرف التحالف الحالي: ترسانة وأد الحريات التي جعلت الكنيست يصوت عليها منذ بداية هذا العقد.
وثالث الأبعاد هو التحالف مع اليمين الأوروبي المتطرف..الطيور على أشكالها تقع: نتنياهو يختار أصدقاءه المقربين من بين أسوأ الشعبويين الأوروبيين. تبرر هذه العلاقات الخطرة بحجج دبلوماسية، إلا أن هذه الحجج لا يمكن أن تشرح التقارب بين إسرائيل وأحزاب اليمين المتطرف في أوروبا الغربية. منذ ديسمبر عام 2010، أقام حوالي ثلاثين من قادة اليمين المتطرف في إسرائيل ـ ومن بينهم الهولندي غيرت فيلدرز، والبلجيكي فيليب دوينتر، وخليفة يورج هايدر النمساوي هاينز كريستيان ستراتش ـ وقد تم استقبالهم بحفاوة وبالتكريم الواجب تجاه ضيوف من أعلى المستويات. أفيغدور ليبرمان، الذي كان يشغل حينها منصبي نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية، والذي يحلم بدولة يهودية خالصة يطرد منها المسلمين، تبادل الحديث بحرارة مع وايلدرز الذي يحلم من ناحيته بمنع القرآن في هولندا. وقام الأخير بزيارة مستوطنة في الضفة الغربية، وهناك، وفق ما نقلت الوكالة الفرنسية، “ترافع ضد مبدأ الأرض مقابل السلام مع الفلسطينيين، مقترحاً إسكان الفلسطينيين”بإرادتهم“في الأردن” وبالنسبة له فإن هذه المستوطنات تمثل “معاقل حرية صغيرة، في وجه القوى الإيديولوجية التي لا تنفي عن إسرائيل فحسب، بل وعن الغرب بأسره، الحق في العيش بسلام وبكرامة وبحرية”
يعرف نتنياهو وحلفاؤه أن هروبهم إلى الأمام لا يمكن إلا أن يزيد من حدة عزلة الحكومة الإسرائيلية دولياً، بمرور الوقت. فقد دخلت الدولة الفلسطينية إلى اليونيسكو (2011) وإلى الأمم المتحدة (2012) ومحكمة العقوبات الدولية (2015). كما أن الجمعية العامة للأمم المتحدة قد أقرت في نهاية عام 2017 بحق الفلسطينيين بتقرير مصيرهم وبدولة.
صحفي ومؤرخ مؤلف كتاب
معاداة الصهيونية.. معاداة السامية