مخاوف البريكسيت

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ٠١/يناير/٢٠١٩ ٠٤:١٢ ص

كريس باتن

تتوالى الأيام والأسابيع، ولازال يظن معظم المواطنين البريطانيين أن الاضطراب بشأن انسحاب بلادهم من الاتحاد الأوروبي لا يمكن أن يكون أسوأ مما هو عليه الآن. لكنه سيزداد سوءا بالتأكيد. إذ يتحول الاضطراب إلى فوضى مُذِلة. وقد تتحول أزمة سياسية ما إلى أزمة دستورية. وفي غضون ذلك، يقترب موعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. إذ بقي أقل من 100 يوم قبل انسحاب المملكة المتحدة، ولحد الساعة لا يلوح في الأفق أي اتفاق يحظى بقبول كل من البرلمان في ويستمينيستر واللجنة الأوروبية والمجلس الأوروبي في بروكسيل.

وبدأ المشكل بعد عملية الاستفتاء حول الانسحاب التي جرت عام 2016. وللأسف، رغم التخطيط لهذا الهدف لسنوات، لم يكن لدى مؤيدي البريكسيت أية فكرة حول تداعيات هذا الانسحاب. فقد كانت حملتهم مليئة بالخداع والتضليل. وقالوا أن الانسحاب من شأنه أن يحقق نجاحا ماليا، ستستثمره المملكة المتحدة في هيئة الخدمات الصحية الوطنية. وسيكون التفاوض بشأن اتفاق تجاري مع الاتحاد الأوروبي بعد الانسحاب أمرا سهلا. وستصطف دول أخرى لعقد صفقات مع بريطانيا. كل هذا كذب.

وحتى عندما بدأت المحادثات، شَوَش على هذه الأخيرة الوزراء المكلفون بسبب عدم كفاءتهم. إذ كان لدى المفاوضين البريطانيين الكَثير من اليقين الأيديولوجي والقليل من الحلول العملية.
كما أن الخطوط الحمراء التي وضعتها رئيسة الوزراء، تيريزا مي، في البداية صعبت مهمتهم. إذ قالت أن بريطانيا ليس عليها مغادرة الاتحاد الأوروبي فقط، بل حتى السوق الموحدة واتحاد الجمارك، وأنه لا يمكننا قبول أي اختصاص لمحكمة العدل الأوروبية. وأنه علينا أن نملك القدرة على وضع حد لحرية المواطنين الأوروبيين في القدوم إلى المملكة المتحدة للعمل في مستشفياتنا، وحصد محاصيلنا، وملء المناصب الشاغرة في خدماتنا المهنية، والزيادة من رفاهيتنا.
وأحد المشاكل الرئيسية التي ستنتج عن هذه الفوضى هو كيف نتفادى إعادة بناء حاجز متين بين إيرلندا الشمالية وجمهورية إيرلندا إذا بقيت المملكة المتحدة في حدود الخطوط الحمراء التي وضعتها مي. إذ من شأن حاجز كهذا أن يعرض اتفاق الجمعة العظيمة لعام 1998 للخطر(كما عبر عن ذلك رئيس شرطة إيرلندا الشمالية. وبفضل هذا الاتفاق عم السلم في إيرلندا الشمالية بعد ثلاثة عقود من العنف).
وتوقفت المفاوضات في هذه النقطة، إذ ينبغي أن تكون نتيجتها ناجعة في التصدي للصعوبات. وسبق لبريطانيا أن وافقت على أن تبقى إيرلندا الشمالية في اتحاد الجمارك إلى أن تعقد المملكة المتحدة اتفاقا تجاريا طويل الأمد مع الاتحاد الأوروبي. وإلى أن يتحقق هذا، ينبغي وضع سياسة تأمينية- أي «دعم»- ضد أي فشل ممكن. لكن المُتَعَنتين في حزب مي المحافظ، وأعضاء البرلمان المنتمين للاتحاد الديمقراطي في إيرلندا الشمالية، الذين تعتمد عليهم مي في أغلبيتها البرلمانية، لن يقبلوا إلا بدعم محدد الأجل، والذي ليس «دعما» أبدا.
وفي جوهر مشاكل مي تكمن حقيقة بسيطة ترفض هي وغيرها تقبلها. إذ من المستحيل مناقشة اتفاق بشأن الانسحاب الذي يصب في المصلحة الوطنية وفي نفس الوقت يحظى بقبول القوميين الإنجليزيين اليمينيين في حزبها. وقد أصبح هذا واضحا كل الوضوح خلال أسبوع محبط أمضته الحكومة في وقت فائت هذا الشهر.
وبعد أن أدركت مي ومستشاروها أن اتفاق الانسحاب الذي ناقشته مع الاتحاد الأوروبي سيتلقى ضربة قاضية من طرف الأغلبية الساحقة في البرلمان، أوقفوا المحادثات قبل أن يبدأ التصويت. وأعلنت مي حينئذ أنها ستتحدث مع رؤساء، ورؤساء وزراء آخرين في الاتحاد الأوروبي للوصول إلى نتائج مطمئنة قد ترضي منتقديها من التيار اليميني.
وعمل هؤلاء النقاد بتزايد على شكل حزب داخل حزب. إذ في منتصف رحلة مي الديبلوماسية المسعورة، قالوا إنهم قد جمعوا ما يكفي من الدعم للتصويت بعدم الثقة في قيادتها للحزب المحافظ. وفازت مي بثلثي الدعم تقريبا، لكن سلطتها تأثرت بشكل سلبي.
وبعد أسبوع سيئ، أوضح الوزراء الأوروبيون أنهم غير مستعدين لإعادة فتح الاتفاق مع بريطانيا بشأن استئناف المفاوضات، بل يمكنهم فقط القيام «بمحاولات على قدر المستطاع» والعمل ب»حسن النية»، ليس أكثر.
إذاً ماذا سيحدث بعد هذا؟ يظن مؤيدو مي أن هذه الأخيرة حازمة؛ ويظن آخرون أنها بكل بساطة عنيدة وغير قادرة على رؤية منطق العقل. فهي لاتزال تؤجل أي نقاش بشأن مقترحاتها. ويقول النقاد أنها تحاول أن تقريب موعد التصويت من تاريخ الانسحاب، من أجل الضغط على أعضاء البرلمان لقبول برنامجها، وكأنها تقول: «ادعموا برنامجي وإلا ستواجهون كارثة الانسحاب دون اتفاق» أي « ادعموني وإلا سنقفز من الصخرة».
لكن البرلمان يتعرض لضغوطات من أجل السيطرة على العملية والاعتماد على سلسلة من الخيارات التي تحظى بقبول أكثر. هل هناك أغلبية تؤيد اتفاق مي؟ هل يعارض البرلمان بِرُمَّته الانسحاب من أوروبا بدون اتفاق؟ هل ينبغي أن نبحث عن علاقة تشبه تلك التي تجمع النرويج وأوروبا، والسعي وراء البقاء في كل من السوق الموحدة واتحاد الجمارك على حساب الاستمرار في تقبل حرية تنقل العمال؟ هل علينا محاولة تأجيل تاريخ انسحابنا من الاتحاد الأوروبي حتى نجد حلولا للمشاكل التي نريد حلها؟ هل ينبغي إجراء استفتاء آخر يعطي القرار الأخير للشعب؟
إن ضبابة من الشكوك السياسية تغطي بريطانيا بعد أعياد الميلاد. وفقط أربعة أمور تبدو واضحة. أولا، سيواجه الحزب المحافظ صعوبات متزايدة في إرضاء تياره القومي الإنكليزي المتعصب. ثانيا، من أجل إنقاذ المملكة المتحدة من الكارثة، سيضطر البرلمان لدراسة العملية. ثالثا، ستصبح بريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، أكثر فقرا وأقل تأثيرا على العالم، على أي حال. وأخيرا، كيفما كانت النتيجة، سيكون البريكسيت قضية تثير الانقسامات في الأعوام المقبلة.
لقد كذب مؤيدو البريكسيت. إن تكلفة الانسحاب من الاتحاد الأوروبي ستكون أكبر من مكاسبه. والمؤسف أن القيادة المسؤولة وواسعة الخيال، والشاملة التي نحتاجها للتقليل من الأضرار لا تلوح في الأفق القريب.

الحاكم البريطاني الأخير لهونج كونج والمفوض السابق للشؤون الخارجية لدى الاتحاد الأوروبي، منصب رئيس جامعة أوكسفورد.