مسقط للإعلام.. وصناعة الإبداع (1) المؤسس وحلم التميز

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ٣١/ديسمبر/٢٠١٨ ٠٣:٠١ ص
مسقط للإعلام.. وصناعة الإبداع (1)

المؤسس وحلم التميز

خالد البحيري

على شاطئ مطرح، وبالقرب من سوقها التاريخي بممراته الضيقة ورائحة البخور المنبعثة من جنباته، كان يجلس الشاب عيسى بن محمد الزدجالي الذي لم يتجاوز عمره آنذاك الرابعة والثلاثين عاما، شاخصا بصره إلى ذلك الفضاء الفسيح يرقب أمواج بحر عمان وهي تأتي هادئة رقيقة تلامس رمال الشاطئ في وداعة وطمأنينة وكأنها مسافر عبر الزمن آن له أن يستريح ويلتقط أنفاسه.
جلس وفي الخلفية من تفكيره يمر شريط ذكريات تلك السنوات التي قضاها هو الآخر مسافرا بين بلدان الخليج منذ كان عمره 15 عاما، فما بين شركة أرامكو السعودية، وشعبة المحفوظات في دائرة البريد والبرق والهاتف الكويتية ودائرة البترول في أبوظبي كانت سنوات الصبا والشباب مفعمة بالحيوية والعمل وكسب المهارات وصقل الخبرات.
وسرعان ما يتصدر مشهد آخر واجهة التفكير والتأمل، فقد عاد المسافر إلى وطنه ليجده على موعد مع عهد جديد بزغت أنواره وسطعت شمسه يوم أن جاء صوت السلطان الشاب قابوس بن سعيد عبر الإذاعة مخاطبا جموع العمانيين: «كانت عمان بالأمس في ظلام ولكن بعون الله غدا سيشرق فجر جديد على عمان وعلى أهلها» ليبعث الأمل في النفوس، ويشحذ الهمم، لتنطلق إلى حيث البناء والنهضة.
وانطلق صوت من أعماقه مناديا: «ماذا أنت فاعل وقد صاح المؤذن حي على الفلاح، حي على الكفاح، وداعي النهضة نادى أن شمروا سوف نكتب جميعا تاريخا لعمان، وليشهد العصر الحديث بعث حضارتنا من جديد؟».
ومن رحم التأمل والتفكير العميق كانت الفكرة، إنها دار العيسى للطباعة والنشر التي صدرت عنها «تايمز أوف عمان» أول صحيفة ناطقة باللغة الإنجليزية في السلطنة عام 1975.
ولعل الباحث في تاريخ تطوير وسائل الإعلام في عمان يتساءل -ويحق له- لماذا صحيفة باللغة الإنجليزية في هذا الوقت المبكر من عمر النهضة؟ هل كان القرار سباحة ضد السائد وتمردا على المألوف آنذاك؟
أراني هنا شغوفا بتقليب صفحات وأوراق فكر المؤسس لهذه الصحيفة التي يعد كل عدد من أعدادها منذ صدورها قبل 44 عاما وثيقة وطنية ووعاء أمينا يسجل بمصداقية مراحل النهضة المباركة، ويعين على فهم فلسفة القائد وحكمته، ويرسم صورة لملحمة شعب قرر أن يستعيد مكانه اللائق بين الأمم والشعوب بعد سنوات من السكون والدعة.
كان المؤسس -أسكنه الله فسيح جناته- يرى تقاطر تلك الوفود ما بين زائر ومقيم، ضيوف رسميون يقصدون موطن الحكمة وساحة التسامح أو ممثلين لبعثات دبلوماسية تعمقت علاقاتها مع عمان وسلطانها الجديد، ويتساءل: ما هي وسيلة الإعلام التي تنقل لهؤلاء نبض الوطن وكيف يتعرفون على منجزاتنا؟ لابد من مطبوعة تنطق بلغتهم وتقطع المسافة بين احتياجاتهم الفكرية والثقافية، وما تشهده الساحة من حراك اقتصادي وسياسي ودبلوماسي وتشريعي وتعليمي.. من هنا فإن الحاجة كانت تقتضي أن يكون للبلاد لسان ينطق بالحق بلغة غير اللغة العربية وفي ذات الوقت يكون قادرا على مخاطبة هذه العقليات بما تجيده لا بما نريده نحن.
لقد كان التحدي الذي يواجه «تايمز أوف عمان» عظيما والمهمة ليست بالأمر اليسير والمسؤولية الوطنية تقتضي تعاملا نوعيا وفريدا مع هذه الشريحة من القراء والتي تتنامى وتزيد اتساعا وتشعبا.
لكن المؤسس بشجاعته الفطرية وحسه الوطني قبل التحدي ورسم ملامح التميز منذ اليوم الأول وظل حارسا أمينا على بوابة هذه النافذة الإعلامية الفريدة طوال 38 عاما.
وهنا يحق لهذا الجيل من الدارسين والباحثين في مجال الإعلام أن يتساءلوا عن أهم ملامح هذه الخلطة السحرية التي قام بتوليفها الأستاذ عيسى الزدجالي -رحمه الله- ليوازن بين متطلبات مرحلة شديدة الدقة من تاريخ عمان الحديث وبين رغبات واهتمامات مئات الآلاف من القراء من جنسيات متعددة وخلفيات ثقافية شتى.
الجواب في الحلقة الثانية الأسبوع المقبل بإذن الله