
علي بن راشد المطاعني
من الممكن استيعاب فكرة أن تقوم شركات التنظيف بتقديم عروضها للوزارات والجهات المختلفة مستعينة إذا لزم الأمر بشركات الصيانة والتشجير وغيرها من الشركات ذات العلاقة بهذا المجال، وكل ذلك في سبيل أن يغدو عرضها مغريا ومقبولا، ومن الممكن لشركات النظافة أن تدخل في مناقصات مفتوحة كل شركة تقدم عرضها بأقل الأسعار الممكنة مع الاحتفاظ بهامش ربح يضمن لها الاستمرارية والتواصل في السوق أملا في الحصول على المزيد من التعاقدات مع جهات أخرى عديدة، وهكذا تزدهر هذه الشركات وتنمو في السوق وتحصل بعد ذلك على السيرة العطرة والحسنة وربما تعبر بنشاطها الحدود وصولا لدول أخرى مجاورة أو غير مجاورة بعد أن ذاع صيتها على المستوى المحلي، وهذا أمر معروف وشائع ومقبول في الحقل التجاري والاستثماري.
غير أن هذا الذي وصفناه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن ينسحب على حقل التعليم، فلا يمكننا أن نتخيل مجرد تخيل أن نعهد لشركة أو شركات ما أن تقدم عروضها في إطار مناقصة مفتوحة لتوفير أساتذة ومحاضرين يفترض إنهم أجلاء لكلية أو لجامعة، وبالطبع فإن الشركة وفي سبيل تقديم عروضها تراهن بدءا على (السعر) فالمسألة تجارية بحتة وليست تعليمية أو تربوية ولا علاقة لها بتلك المعاني عالية المستوى، فهي وعندما تقدم عروضها لما في جعبتها من الأساتذة فإنها تقدم إليهم القليل لتحصل على هوامش أرباح مجزية، وعندما يقبل أستاذ جليل افتراضا بفتات الموائد فإنه وبالتأكيد ليس بجليل، فالعلم الذي في رأسه يتناسب تواضعا مع ما عُرض عليه، وعندما تقبل الكلية أو الجامعة بالعرض المغري من ناحية السعر فإن مستوى الأساتذة الذين يفدون إليها لابد وأن يكون متواضعا أيضا، وباعتبار أن كل إناء بما فيه ينضح.
يحدث هذا في الوقت الراهن للآسف في العديد من الكليات الحكومية، بدون اعتبار يذكر إلى خطورة المخرجات التعليمية على مجمل الحياة وخطرها على مستقبل البلاد برمته، فالتعليم ليس تجارة ولا يمكن وصفه أبدا بأنه كذلك، بل هو رسالة تقترب من القداسة إذ فيها صلاح المجتمعات والأوطان، هذا إن كان جيدا ورفيعا وبعيدا عن الأغراض والأهواء والمرابحات، لذلك فإن كل الدول المتقدمة تركز على جودته في المقام الأول. ثم نسأل أنفسنا هل هذه الشركات لديها مرجعيات علمية تستند إليها عندما يعهد إليها بجلب أساتذة للتدريس في الكليات، أم هي شركات تجارية محضة وبحتة حصلت على ترخيص لجلب أساتذة مثلها مثل مكاتب توفير عاملات المنازل أو شركات توريد القوى العاملة العادية، بعدها نسأل هل هذا هو الطريق الوحيد والناجع للتعاقد مع أساتذة، ثم ماهي مؤهلات الشركات وقدراتها في اختيار وجلب الأساتذة ومن ثم عرضهم على الكليات، وحتى إذا ما كان الوقت ضيقا ولم يكن هناك متسع منه للتروي بغرض التدقيق والتمحيص، فإن ما يحدث هو القبول بالعروض التجارية المقدمة للكليات، والنتائج بعد ذلك بالقطع وخيمة، يحدث ذلك عندما نجد أن الخريج لا يعلم شيئا عن ما يفترض أنه قد درسه طوال السنوات الفائتة، فهل سيقدم لنا هذا الطالب شيئا يساعدنا في بناء الوطن؟