أطفال بلا خيال

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ٢٥/ديسمبر/٢٠١٨ ١٢:١٦ م
أطفال بلا خيال

لميس ضيف
لا أذكر أننا كنا نملك في طفولتنا العديد من الألعاب، لا لسبب مادي، بل لأن الألعاب المعروفة آنذاك لم تكن سوى لعب جامدة. كنا نؤثر عليها الألعاب التي نبتكرها نحن. ونصمم قوانينها وتحدياتها. ويستطيع أقوى الأطفال شخصية في المجموعة أن يظهر بقوانين جديدة كل حين ترجح كفته.
كنا نعيش «صراع العروش» إنما بطريقة بريئة. ونقسم الأدوار بيننا ومهما كنا نأكل وقتها، وكان الوعي الصحي أقل بكثير مما هو عليه اليوم، لذا كنا نتخم أجسادنا بالحلويات الرديئة الغنية بالألوان والسكريات والنكهات الصناعية، رغم هذا التهور الغذائي -نقول- إلا أننا لم نكن نرى أطفالاً يعانون من السمنة، فنمط حياتنا المشاغب لم يكن يسمح لنا بذلك.
مخيف أن الأطفال اليوم لم يعودوا يملكون الخيال الخصب ذاته. ولا يتقمصون أدوار الشرطة والأطباء والمعلمين كما كنا نفعل. لقد افتقدوا عنصر «الضجر» الذي أجج فينا الرغبة باختراع ما يملأ الوقت. وعندما نصف الوضع بالمخيف فأننا لا نبالغ ولا نهول الواقع. فوفقا لدراسة دماغية لنحو 4500 طفل تتراوح أعمارهم بين الـ9-10 أعوام ؛ توصل القائمون على المعهد الصحي الوطني الأمريكي. أن الحواسيب والأجهزة الإلكترونية غيرت بُنية دماغ هؤلاء الأطفال. وأظهرت الفحوصات الدماغية تضاؤل ثخن القشرة العصبية، وهي الطبقة الخارجية من الأنسجة والمسؤولة عن معالجة معلومات الحواس الخمس. ووفقا لداولينج فأن الأطفال الذين يقضون أكثر من ساعتين يوميا أمام التلفاز والأجهزة الذكية حصلوا على درجات أقل في اختبارات التفكير واللغة.
ولا زال فريق العلماء يحاول تقديم إجابات حاسمة على السؤال التالي: هل تسبب الإلكترونيات الإدمان فعليا ؟ ولا زالت الإجابة العلمية معلقة بنواصب الباحثين.
أول أسباب المشكلة هي القدوة السيئة بالمناسبة، فليس علينا أن نرمي بيوت الأطفال بالحجارة وبيوتنا من زجاج. أن الصغار الذين يرون تعلق والديهم بالهواتف وكأنها أهم ما في حياتهم، لا يلامون إن هم ما فعلوا المثل. يرى الجيل الناشئ بجلاء أن والدهم يؤثر قراءة الرسائل المكررة والسامجة على التركيز معهم. وأن أمهم «تصرفهم» فقط لتحظى بوقت نوعي مع هاتفها تتابع من خلاله لغو هذه وسخافات تلك.
فبالله عليكم: كيف تنهى الأطفال عن فعل وأنت تأتي بمثله بكل قوة عين أمامهم كل يوم؟!
أعيدوا للأطفال طفولتهم. وابدأوا بأنفسكم. فقد زاد الماء على الطحين ولن تكون الأجيال القادمة بمعشار إنتاجية من سبقوها علما بأن من سبقوها يكونوا خارقين بالمناسبة.
lameesdhaif@gmail.com