دانا سترول
سونر چاغاپتاي
في 19 ديسمبر، ذكرت مصادر إعلامية متعددة أن واشنطن تستعد للانسحاب الوشيك لجميع القوات الأمريكية من شرق سوريا. وجاءت التقارير بعد تصريحات أدلى بها الرئيس رجب طيب أردوجان قبل يومين من كتابة هذه السطور، حيث أشار إلى «الرد الإيجابي» للبيت الأبيض على الحملة العسكرية التي تخطط لها تركيا عبر الحدود. وتم الإعلان عن هذه الحملة للمرة الأولى في 12 ديسمبر، بهدف «تطهير شرق الفرات من الإرهابيين الانفصاليين في غضون أيام قليلة» - وهي الكنية التي يطلقها أردوجان على «حزب الاتحاد الديمقراطي» - الجماعة الكردية السورية التي تشكل عناصرها نواة القوات المدعومة من الولايات المتحدة والتي تقاتل تنظيم داعش. وخلال اتصالهما الهاتفي، اتفق ترامب وأردوجان في 14 ديسمبر «على مواصلة التنسيق لتحقيق أهدافنا الأمنية في سوريا»، على الرغم من أن العديد من المسؤولين الأمريكيين سارعوا إلى «القيام باتصالات» من أجل تجنب التوغل التركي، وفقاً لبعض التقارير.
وفي الوقت نفسه، أدّى نبأ الانسحاب المقرر للولايات المتحدة إلى إطلاق أجراس الإنذار في واشنطن والشرق الأوسط وأوروبا. ونظراً للمشاكل الاستراتيجية العديدة التي يمكن أن تثيرها عملية الانسحاب السريع وواقع عدم اكتمال المهمة الأمريكية، يجب على البيت الأبيض إعادة النظر في قراره ومواصلة العمل نحو تحقيق أهدافه المحددة سلفاً في سوريا.
سيكون من الخطأ أن تنسحب أمريكا من سوريا بشكل متسارع: فتنظيم داعش لم يُهزم على نحو مستدام، وإيران ووكلاؤها ما زالوا نشطين في سوريا، كما أن إطلاق عملية سياسية لإنهاء الحرب لم تترسّخ بعد. وإذا كانت الإدارة الأمريكية تسعى حقاً إلى تحقيق أهدافها المعلنة هناك، فعليها أن تبادر فوراً إلى تنفيذ مسار بديل لإجراءاتها المتخذة، وإلاّ، فإنها لا تخاطر فقط بتعريض مصلحة الولايات المتحدة على المدى القريب فيما يتعلق بإحلال الاستقرار في جزء رئيسي من الشرق الأوسط، بل تلحق الضرر أيضاً بسمعة أمريكا على المدى الطويل. وعلى وجه التحديد، فإن الخروج أو الدخول المحتمل للقوات الأمريكية والتركية من شرق سوريا وإليها على التوالي سيؤثر على المصالح الرئيسية ومنها حماية القوات الأمريكية فإذا بدأت تركيا عملياتها قبل الانسحاب الأمريكي المقترح، فستكون القوات الأمريكية البالغ عددها 2000 جندي في المنطقة مباشرة في خط النار - ولا سيما تلك المشارِكة مع «قوات سوريا الديمقراطية» أو التي تدير عدداً محدوداً من مراكز مراقبة الحدود الأمريكية الحالية. وقد أشارت أنقرة إلى رغبتها في تنسيق عملياتها مع واشنطن، لكنّ الخطر سيبقى جدّياً بالنظر إلى وقائع القتال. وقد سبق وأن حذّر مسؤولون في البنتاغون من أنّ إجراءً تركياً أحادي الجانب قد يشكّل خطراً «غير مقبول» على القوات الأمريكية.
وهناك هزيمة داعش حيث يبقى التنظيم الأولوية القصوى للولايات المتحدة في سوريا، كما صرّح الرئيس ترامب ومسؤولون آخرون في الإدارة الأمريكية مراراً وتكراراً، ولكنّ المهمة غير مكتملة وقد تفشل كلياً إذا تم تنفيذ الخطط المعلنة حديثاً. وقد يؤدّي توغّل تركي إلى إرغام العديد من مقاتلي «وحدات حماية الشعب» على تحويل جهودهم بعيداً عن القتال ضد تنظيم داعش، الأمر الذي قد يعرّض مسار التقدّم الأخير ضد التنظيم لخطر الانتكاس. وإذا لم تتواجد القوات الأمريكية للحفاظ على تركيز «قوات سوريا الديمقراطية» على إنهاء القتال، فسيتم بشكل فعال إسناد عملية مكافحة الإرهاب في شرق سوريا إلى تركيا وشركائها المحليين، أو حتى إلى حكومة الأسد ومناصريه. وسيضمن خيار حكومة الأسد دعم العرب المتجدد للجماعات المتطرفة العنيفة، والذي يُحتمل أن يؤدّي إلى نسخة جديدة من تنظيم داعش ومع ذلك، فإنّ استمرار سيطرة «وحدات حماية الشعب» في الشرق ليس مستداماً أيضاً، لأنّ السوابق الأيديولوجية اليسارية لهذه الجماعة والهوية القومية الكردية غير مقبولة للعرب المحافظين الذين يشكلون غالبية السكان في الشرق. وبالتالي، فقد يكون توسيع نموذج منبج للسيطرة المحلية والدوريات الأمريكية -التركية الوسيلة الوحيدة لحرية التحرك بين هذين الخيارين السيئين.
تملك الأطراف حالياً فرصة ضئيلة للمضي قدماً في عملية سياسية تنهي الحرب، وتفسخ التحالف بين الحكومة السورية وحلفائها كما أكّد ذلك المبعوث الأمريكي لسوريا جيمس ف. جيفري في 17 ديسمبر. وتتطلب عملية الإصلاح الدستوري التي أقرّها جيفري والأمم المتحدة تركيز جميع أصحاب المصلحة الخارجيين على جهد دبلوماسي فريد، ولكنّ التوغل التركي قد يعيق الاتجاه نحو طاولة المفاوضات، ويمنح الحكومة السورية وروسيا وإيران مبرّرات لرفض المحادثات التي تهدف إلى إنهاء حكم الرئيس السوري بمرور الوقت.
لقد أدّى تحرير القس بيتر أندرو برونسون في أكتوبر إلى منح إدارة ترامب فرصة أخرى لتخفيف حدّة التوتر في العلاقات الثنائية المشحونة في كثير من الأحيان. وتشمل نقاط التوتّر الأخيرة شراء أنقرة لأنظمة الدفاع الجوي الصاروخية الروسية المضادة للطائرات من طراز «إس-400»، والتي إذا ما استُكملت، ستؤدي إلى فرض عقوبات من قبل الولايات المتحدة وتهدّد مكانة البلاد في برنامج «إف-35»، وربما حتى في «حلف شمال الأطلسي». وقد تسبّب احتجاز تركيا المستمرّ لموظفي السفارة الأمريكية من الأمريكيين والأتراك في وقوع احتكاك كبير أيضاً. ومن المحتمل أن تؤدي العمليات التركية المحتملة في شرق سوريا إلى تفاقم هذه التوتّرات.
بدلاً من المخاطرة بالتقاتل بين حلفاء «الناتو»، يبدو أنّ واشنطن تستعد لانسحاب فوري وشامل. وفي هذا السيناريو، سيتم تقويض المهمة الرئيسية للولايات المتحدة المتمثلة في دحر تنظيم داعش وهو الأمر بالنسبة للفائدة الثانوية الكامنة في منع تحرك إيران ووكلائها في شرق سوريا. وبعبارة أخرى، يجب على البيت الأبيض أن يفهم أن عنصراً رئيسياً في سياسته تجاه إيران معرّضاً للخطر هنا: وتحديداً، الجهد المبذول لمنع إيران من ترسيخ نفسها في سوريا، وإقامة جسر بري إلى لبنان.
دانا سترول: هي زميلة أقدم في «برنامج
جيدلد للسياسة العربية» في معهد واشنطن
سونر جاغابتاي هو زميل «باير فاميلي»
ومدير برنامج الأبحاث التركية في المعهد