الحرب مع البورفيريا.. قصة ملهمة تخوضها حنان البوسعيدية مع المرض النادر

مزاج الأحد ٢٣/ديسمبر/٢٠١٨ ٢١:٤٧ م

مسقط - لورا نصره
عدة أشهر وتكمل حنان البوسعيدية سنة كاملة من قصة كفاحها ضد مرض البورفيريا النادر الذي فاجأها في عز شبابها مع اقترابها من إنهاء دراستها الجامعية.
بدأت قصة حنان (22 سنة) مع بدايات العام 2018 عندما تم إسعافها إلى المستشفى في دولة الإمارات إثر نوبات ألم قوية وتشنجات حادة مفاجئة ألمّت بها. ولأيام طويلة ومنهكة بقيت حنان طريحة الفراش في المستشفى تخضع لفحوصات شاملة إلى أن اكتشف الأطباء حقيقة مرضها وأخبروها أنها أصبحت تحمل الرقم 382 وهو عدد المصابين بمرض البورفيريا الوراثي النادر حول العالم. وبدءا من ذلك اليوم لم تعد حياة حنان كما كانت في السابق وبدأت معها قصة كفاح وصمود مثيرة للإعجاب.
ما هو مرض البورفيريا؟ وكيف تتعايش حنان معه؟ وما هي وسيلتها لمقاومته؟ ولماذا تشارك الناس تفاصيل معركتها معه عبر حساباتها في وسائل التواصل الاجتماعي؟ إليكم القصة.

هنا بدأت الحكاية!
أثناء سفر حنان من مسقط إلى أمريكا لإكمال آخر سنة دراسية لها في مجال بكالوريوس الإعلام شعرت فجأة بتدهور حالتها الصحية وسقطت مريضة خلال فترة "الترانزيت" في مطار بدبي. فأقلعت الطائرة إلى وجهتها مع راكب ناقص.. فيما انطلقت سيارة الإسعاف بحنان إلى أحد مستشفيات دبي.
خضعت حنان لعشرات الفحوصات وتحاليل الدم، عاشت على أنابيب الأوكسجين والمغذيات وتعرّضت لنوبات تشنّج قوية. تقول: "كانت النوبات قوية جدا لدرجة أنها كانت تفقدني الوعي وتسبب لي آلاماً حادة في كامل جسدي لا تخفف منها إلا أقوى المسكنات".
تضيف: "كنت أسمع بكاء والدتي وأفراد عائلتي إلى جانبي ولم يكن بمقدوري أن أتكلّم لأطمئنهم وأخفف عنهم. واستمر ذلك قرابة شهر كامل بقيت فيها معلّقة بين الحياة والموت حتى جاء الأطباء أخيراً حاملين النبأ بأنهم اكتشفوا مرضي وأنني أصبحت أحمل الرقم 382 وهو عدد المصابين بمرض البورفيريا في العالم".
في البداية شعرت حنان بخوف شديد وكآبة عميقة. "شعرت أن حياتي كلها توقفت وانقلبت رأساً على عقب.. كنت مقبلة على نهاية دراستي الجامعية وأخطط لبدء حياتي العملية.. أما الآن فإلى أين سيأخذني هذا المرض الذي أعود به إلى منزلي في مسقط".
بتشجيع من والدتها وعائلتها لم يدم شعور حنان بالإحباط طويلاً. اتّخذت قرارها بأن تكون شجاعة. تقول: "يجب أن أتحلّى بالشجاعة.. قرّرت أن أبتسم، أصادق المرض، وأعيش حياتي كما أريدها".

التعايش مع المرض في أمريكا
بعد متابعة العلاج لفترة محدودة في مسقط استوعبت حنان الصدمة.. لملمت أدويتها وحزمت حقيبتها لمتابعة دراستها في أمريكا.. لم يكن الاستسلام خياراً بالنسبة لها. لكن التعايش مع المرض ليس بهذه السهولة أيضا.
تقول: "الوضع أصعب بكثير مما كنت أعتقد؛ فأنا حالياً مضطرة لأن أدرس آخر فصل لي في الجامعة، وبنفس الوقت أن أذهب بشكل دوري إلى مركز علاج السرطان لأتلقى جرعة العلاج الذي آخذه والذي يُعامل معاملة الكيماوي في حالة مرضى السرطان. أصبحت حياتي متمحورة بين الجامعة والمستشفى. قليلا ما أخرج للتسلية، الشمس القوية تسبب لي الآلام وتصيبني بالإقياء.
تضيف وحزن عابر يلمع في عينيها: "كنت في السابق إنسانة مرحة -لا زلت مرحة ربما- ولكنني لا أشعر بنفس القوة الجسدية والنشاط كما السابق. قبل المرض كنت أحب أن أمضي وقت الفراغ بين سفر ومغامرات وساعات من الرياضة. كنت أقضي يومي بالكامل في الخارج بين الجامعة وممارسة ما أحبه لأنني في غربة وفي الغربة يجب علينا أن نقاتل الوحدة.. أما الآن فكلما حاولت أن أمارس ما كنت أحب فعله في السابق ينتهي بي الأمر في المستشفى.. جسدي لا يتحمّل المجهود".
ولكن حنان لم تيأس بل حاولت التأقلم من جديد مع الوضع الذي فرض نفسه على حياتها. "بدأت أغيّر هواياتي بما يناسب وضعي الجديد.. أصبحت أشاهد التلفاز، أمارس الطبخ، أبحث كثيرا عن البورفيريا وأشارك الناس تجربتي على السوشيال ميديا وحالياً أقوم بكتابة كتاب له علاقة بقصة مرضي". تقول صاحبة الوجه الجميل.

المقاومة عبر السوشيال ميديا
كان من اللافت توجه حنان نحو السوشيال ميديا للتوعية بمرضها، خاصة بعدما عرفت أنها الشخص الخامس الذي يتم تشخيصه بالمرض في السلطنة وأن شقيقتين قد توفيتا سابقاً بسبب تأخر الأطباء في تشخيص المرض لديهما.
وتمكّن متابعو حنان -الذين يقدّرون بالآلاف- من متابعة رحلة مرضها وعلاجها وتصديها للبروفيريا خطوة بخطوة من خلال حسابها على الانستجرام.
وبفضلها عرف الكثيرون بهذا المرض الذي لم يسمعوا عنه من قبل. تقول: "أردت أن أكون مصدر إلهام لغيري من المرضى.. لربما أمنحهم بعض القوة والإيجابية التي أشعر بها".
سألتها: تحاولين منح الأمل لجميع المرضى، فهل شعرت مقابل ذلك بمساندة حقيقية من معارفك وأصدقاءك، كيف تفاعلوا فعلا مع مرضك؟ تجيب بابتسامة غامضة: "هناك قلّة من الناس أحسست فعلا أنهم يشعرون بي، ويعلمون مدى خطورة مرضي وكيف حاربته، وأنا ممتنة جداً لوجودهم في حياتي. ولكن في أحيان أخرى لا أنكر أنني أشعر بالخذلان من بعض الأصدقاء أو المعارف".
تضيف: "حينما يمرض الإنسان مهما كانت قوته أو استقلاليته أو هدوؤه إلا أنه يبقى بحاجة للناس ليمدوه بالقوة ويدفعوه للأمام. فعلياً أحاول أن أكون قوية إلا أنني أحياناً وبسبب بعض العلاج الذي آخذه أو قسوة هذه التجربة أشعر بالإحباط والخذلان. ما يخذلني أكثر هو أنني سواء كنت بصحتي أو مرضي فأنا دائماً ما أحاول أن أحفّز من يعرفني شخصياً أو يتابعني عبر حساباتي. ولكنني حين سقطت وبحثت عمّن يمسك بيدي ويحفّزني لم أجد إلا القليل ممن أعرفهم.. الناس يربطون المرض بعدم الابتسامة، بالشكل غير المرتب، والوجه المترهل. إلا أنني أحاول دائماً ألا أُشعر نفسي بالمرض وأحمد الله الذي منه أستمد قوتي دائماً".

التوعية والمساندة!
تسترسل حنان: "بعد التحاليل الأخيرة التي خضعت لها اتّضح لي أن نوع البورفيريا لديّ يصيب شخصاً بين مليون شخص! لا أعرف أي شخص آخر بنفس حالتي سوى ثلاثينية هنا في أمريكا. بحثت كثيراً باللغة الإنجليزية والعربية عن المرض ولم أحصل إلا على القليل من المعلومات خصوصاً باللغة العربية! لذلك قرّرت أن أشارك الناس رحلة مقاتلتي للمرض عبر حسابي في الانستجرام hanoon.al ليعرف الناس أكثر عنه ويستفيد كل من يعمل في المجال الطبي من حالتي كما أنني أردت أن أُلهم كل مريض سواء بالبورفيريا أو بأي مرض آخر القوة".
وتتابع حديثها: "من جهة أخرى تطلّب العلاج مني أن أقوم بتركيب جهاز مرتبط بالقلب (پورت) أدّى إلى عمل تشوّه يعد كبيراً نوعاً ما وكان شكله يضايقني كثيراً.. أحياناً أقوم بمشاركة الناس بعض الصور التي تظهر التشوّه أو الجهاز المؤلم لكي يعرف الناس أكثر عن مدى صعوبة علاج البورفيريا الذي يستمر مدى الحياة ولكي أقول لكل فتاة تستعين بأجهزة طبية مساعدة أو لديها تشوّهات جراحية بأنها لا زالت جميلة وإن جروحها وندوبها ما هي إلا دليل على القوة التي تتحلى بها".

والدة حنان: فوضت أمري لله
كأم، لا يمكن إلا أن أشعر بما تخفيه والدة حنان (منى الحارثي) في داخلها. سألتها كيف تلقت نبأ مرض حنان؟ وكيف تقاوم هي الأخرى مشاعر الخوف التي تعتريها، وعن سر القوة التي تظهرها حنان؟
تجيبني أم حنان بقلب أمٍ صابر: "في البداية كنت خائفة جداً على حنان ولم أكُن متفهمة ما أصابها فجأة بدون سابق إنذار. ولكن مع الوقت ومع اتّضاح حقيقة الأمر وتشخيص المرض توجهت مباشرة إلى الله.. وقلت: سبحانك ربي أنت قدّرت هذا الشيء وأنا راضية به. فالإنسان المؤمن يتقبل قدر الله بخيره وشره وأنا إنسانة مؤمنة".
وتضيف: "لم يكن الموضوع سهلاً خاصة عندما تحدّثت إلى الأطباء وعلمت أن حالتين سابقتين تم اكتشافهما لشقيقتين في عُمان قد توفيتا. حينها، شعرت بخوف كبير وتألّمت في داخلي، فسألت كثيراً وطرقت أبواباً عديدة حتى أفهم ما الذي ينتظر ابنتي. قابلت وزير الصحة في عُمان واستفسرت منه، وراسلت جهات بألمانيا وعرفت أن هنالك مرضى يعيشون طويلاً ويتابعون حياتهم ويدرسون ويتعايشون مع المرض فاطمأن قلبي قليلاً".
تتابع أم حنان: "حنان طالبة مبتعثة في أمريكا وهناك تتابع علاجها في مركز متخصص، وهي طالبة مجتهدة وصبورة وقد شجّعتها بأن طلبت منها أن تقوّي علاقتها بالله وأن تتقبّل قدر الله لها وتتعايش معه وتقوّي عزيمتها وهي تبلي جيداً في الأمر".
وتختم بالقول: "رسالتي لكل أم أن توكل أمرها وتستودع همها الله تعالى. الله قادر على أن يشفي من يشاء. أدعو لكل أم لديها مريض أن يمدها الله بالصبر والقوة والثبات".

ما هو مرض البورفيريا؟
للتعرّف بشكل علمي دقيق على حقيقة مرض البورفيريا وأعراضه التقينا د.فاطمة بنت سعيد بن هلال الحجرية، وهي من أعضاء الفريق الذي يرأسه د.محمد اللمكي والذي أشرف على حالة حنان في مسقط.
تقول: البورفيريا مرض نادر جداً وليست لدينا إحصائيات رسمية عنه في السلطنة، ولكن عدد الحالات المسجلة في المستشفى السلطاني وصل حتى الآن إلى خمس حالات. أربع منهم من نفس العائلة إضافة إلى حنان وهي الحالة الأحدث. والبورفيريا تصيب النساء أكثر من الرجال بنسبة 2 إلى 1، أما أعراض المرض فتظهر بعمر 18 إلى 40 سنة.
ومرض البورفيريا هو عبارة عن اضطراب قد يكون وراثياً أو مكتسباً ينتج عن خلل أو نقص في إنتاج واحد أو أكثر من الإنزيمات المؤثرة في سلسلة تكوين الهيم، وهو ما يؤدي إلى تراكم مادة البورفرين أو مشتقاتها في الدم. وتختلف الحالة السريرية للمريض باختلاف الإنزيم المفقود في سلسلة تخليق الهيم. بمعنى آخر البورفيريا ليس مرضاً واحداً بل هو عدة أنواع ويعتمد نوع البورفيريا على نوع المادة المتراكمة بالجسم.
والبورفيريا التي تعاني منه حنان هو من النوع الوراثي الحاد وتأتي أعراضه على هيئة نوبات من ألم البطن الشديد والتي يصاحبها غثيان وقيء وقد تؤثر أيضا على الجهاز العصبي مع وجود نوبات من التشنجات العصبية (الصرع) والهلوسة في الحالات الشديدة. ومن أعراض هذا المرض أيضاً اضطراب ضربات القلب وتغيّر لون البول إلى اللون الأحمر أو البني عند التعرّض للضوء.
وتضيف د. فاطمة: ليس هناك علاج شفائي لمرض البورفيريا ولكن يمكن السيطرة على المرض باجتناب محفّزات النوبات الحادة وبتجنّب التعرّض للضوء، وأثناء نوبات المرض يخضع المريض لعلاج مكثّف من جرعات الهيم والتي غالباً ما تكون أربع جرعات في أيام متتالية مع مسكنات الألم والمغذيات الوريدية التي تحتوي على محلول الدكستروز (محلول سكري) ويُنصح المريض بأخذ كميات كبيرة من الوجبات الغنية بالكربوهيدرات.
وعن محفزات نوبات البورفيريا الحادة تقول د.فاطمة: الصوم أو الحميات الغذائية، ووجود ضغوطات عصبية ونفسية هي أمور تحفّز النوبات. أيضا يمكن أن تتحفّز بسبب بعض العقاقير الطبية، وتغيّرات الهرمونات الأنثوية أثناء الدورة الشهرية، والإجهاد البدني والمرض، ومع التدخين وشرب الكحول وخلال التعرّض لأشعة الشمس.. لذلك على المريض أن يمارس حياته وفق نصائح الأطباء تبعاً لما تستدعيه حالته.
وتختم د.فاطمة بالقول: حنان مقاتلة شجاعة وهي ملهمة لكل مريض مهما كانت حالته ليستمد منها القوة والإيمان والتفاؤل بالقدرة على التماشي مع الصعاب.