
أحمد المرشد
احتفلت بلادي البحرين الأسبوع الفائت بالعيد الوطني وعيد تسلم صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة حفظه الله سدة الحكم في البلاد، وطيلة التسعة عشر عاما الفائتة عمل جلالته علي تحقيق حلم أبناء البحرين بغد أجمل.. فاستن القوانين وشرع لقيام مجلسي النواب والشورى وبدء مسيرة الديمقراطية في البحرين.
وعندما أقول إن بلادي احتفلت بعيدها الوطني فهذا يعني اعتزاز كل شعب البحرين بما تم من إنجازات منذ تولي جلالة الملك حمد مقاليد السلطة، إنجازات حضارية عظيمة شملت كافة الميادين، إنجازات لا توصف سوى بأنها ملحمة وطنية لبناء الوطن وتكون عنوانا بارزا لكل ما سبق حققناه وما نحن بصدد تحقيقه مستقبلا، فالعنوان الكبير هو «رحلة البحرين الدائمة مع الازدهار والإنجازات».
وعندما أقول إن بلادي احتفلت بعيدها الوطني، فهذا يعني أننا نواصل الاحتفال بالإصلاحات السياسية والديمقراطية وصون حقوق الإنسان, وما تحقق في مجالات التنمية الاقتصادية والبشرية المستدامة التي وضعت البحرين في مكانة مرموقة على صعيد التنمية البشرية عالميا وفي مقدمة الدول العربية لسنوات طويلة.
وعندما أقول إن بلادي احتفلت بعيدها الوطني، فهذا يعني أن البحرين أصبحت قبلة استثمارية واقتصادية ومركزا ماليا عالميا خلال الأعوام الأخيرة، حيث تنتشر على أراضيها نحو 415 مؤسسة مالية تبلغ رؤوس أموالها مليارات الدولارات، بجانب كونها موطن المؤسسات المالية الإسلامية، الأمر الذي يؤكد استقرارها الاقتصادي من خلال الأنظمة التشريعية الراسخة التي تتسم بالشفافية، إضافة الى الحوافز.
وعندما أقول إن بلادي احتفلت بعيدها الوطني، فهذا تأكيد على ما تنتهجه البحرين من خطط مدروسة تمتد للمستقبل بهدف تحقيق إستراتيجية «2030» التي تضع توجهات ورؤى المملكة التنموية للمستقبل وفق خطة محكمة واستنادا إلى العدالة والتنافسية وتحقيق أكبر قدر من التنمية.
إن المواطن في مملكة البحرين يتطلع فعلا إلى الأحسن، إلى الحياة الكريمة والأيام الأجمل التي وعدنا بها جلالته في تحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية والعيش الكريم، ما هو مؤمل أن يتحقق بالفعل.
النصيحة بجمل
وكما وعدتكم الأسبوع الماضي عندما تحدثت عن حكايات الأجداد ضاربا أمثلة عن ضرورة الرضا بالمقسوم، نتحدث اليوم عن مثل شعبي آخر ذكرني به أخي د.حيدر الجبوري من العراق الشقيق مدير إدارة فلسطين في جامعة الدول العربية، وما يزيد المثل جمالاً هو طريقة سرد أخي حيدر له مستلهما ثقافته المتبحرة مما يجعلني استمتع بالجلوس معه والغوص في أعماقه..وقصة المثل ببساطة تقول إن رجلا ضاقت به سبل العيش، فقرر السفر بحثاً عن الرزق، فترك قريته وأسرته ورحل بعيداً، وبينما هو يسير في طريقه قادته خطاه إلى منزل أحد تجار المدينة التي رحل إليها، فرحب به وأكرمه ثم تحدثا طويلا وعرف إنه بحاجة إلى عمل فعرض عليه أن يعمل راعياً لأبله فوافق الرجل على الفور ومكث بالقرية الجديدة فترة طويلة يجتهد في عمله الذي رضى به.
يواصل أخي حيدر سرد المثل بطريقة طالما أحببت سماعها منه، وبعد أعوام عدة اشتاق الرجل لزيارة قريته ورؤية أهله وأبنائه، فأستأذن صاحب الإبل في العودة الى بلده، فعز عليه فراقه لصدقه وأمانته، فكافأه ومنحه مائة من الإبل. سار الرجل عائدا إلى قريته وقطع مسافة طويلة في الصحراء القاحلة، ثم رأي شيخا يجلس بجوار خيمته على قارعة الطريق، فحياه وسأله ماذا يعمل لوحده في هذا المكان الخالي تحت حر الشمس، فرد الشيخ: أعمل في التجارة. فتعجب الرجل ليسأله مجددا: وما هي تجارتك؟.. فأجاب الشيخ: أبيع النصائح. فاستغرب الرجل حيث يسمع لأول مرة عن تاجر نصائح وما هي تلك النصائح التي يتاجر بها، فسأل الشيخ:بكم النصيحة؟.. ولما لم يكن مع الرجل سوى إبل فقال الشيخ: كل نصيحة بجمل. فانشغل عقل الرجل طويلا عن ماهية النصيحة التي تستحق جملا ثمنا لها وكيف يضحي بجماله بهذا السهولة بعد أن ذاق مرارة الغربة والعمل في مكان غريب عن قريته طوال هذه الفترة، ولكنه قرر في النهاية أن يجرب نصائح الشيخ وطلب منه نصيحة. فقال الشيخ: «إذا لمع سهيل لا تأمن للسيل». استغرب الرجل مجدداً واحتار في فهم النصيحة فكيف يأتي السيل إلى الصحراء الموحشة وماذا يستفيد من تلك النصيحة في هذا الحر، وعندما تعجب كثيراً كيف ومتى يستفيد من نصيحة السيل، أبلغ الشيخ أن يسديه نصيحة أخرى لعلها تفيده في حياته، فذكره الشيخ الثمن فوافق الرجل على دفع جمل آخر فكانت نصيحة الشيخ الثانية: «لا تأمن لأبو عيون بُرْق (زرق) وأسنان فُرْق».. فتأمل الرجل النصيحة وأشغل عقله بها فلم يجد منها فائدة أيضا فطلب نصيحة ثالثة من الشيخ مقابل جمل أخير. فنصحه الشيخ قائلا: «نام على النَّدَم ولا تنام على الدم»، وفي قول آخر «نام ندمان ولا تنام حسران» أي متحسرا على أمر ما خطأ فعلته ثم تندم على فعله. لم تكن النصيحة الثالثة والأخيرة بأفضل من سابقتيها، فقرر الرجل الاكتفاء بهذه النصائح الثلاث وأعطى الشيخ ثمنها وهي الجمال الثلاثة، وسار بما تبقي معه من إبل عائدا الى قريته وأسرته، ولما كان الطريق طويل وأيام السفر كثيرة، فنسي خلالها نصائح الشيخ من كثرة التعب وشدة الحر.
وبينما هو سائر في أحد الأيام، أدركه الليل فوصل الى قوم نصبوا خيامهم في قاع واد كبير، فأطعموه وبات لدى أحدهم، وقبل أن تغفو عيناه تأمل النجوم الكثيرة في السماء فشاهد نجم سهيل يلمع، فتذكر نصيحة الشيخ الأولى فقام مسرعا وأيقظ صاحب الخيمة الذي يبيت عنده ونصحه بسرعة مغادرة الوادي هو وكل أهل الوادي تطبيقا لنصيحة «إذا طلع سهيل لا تأمن للسيل»، ولكن المضيف لم يكترث بكلامه، فقال الرجل: والله لقد اشتريت النصيحة بجمل ولن أنام في قاع هذا الوادي، فقرر السير للوصول الى مكان مرتفع ليبيت فيه، فشد الرحال مع أبله وصعد الى مكان مرتفع بجانب الوادي، وفي آخر الليل هطل المطر بشدة وجاء السيل يهدر كالرعد، فهدم البيوت في قاع الوادي وشرد كل القوم. وفي الصباح، واصل الراجل رحلة العودة لأسرته، الى أن بلغ بعد يومين بيتا في الصحراء، فرحب به صاحب البيت بشدة وكان رجلا نحيفا خفيف الحركة، وتودد إليه حتى أوجس منه صاحب الإبل خيفة، فنظر إليه ليكتشف أن عيونه بُرْق (زرق) وأسنانه فُرْق، فتذكر نصيحة الشيخ الثانية «لا تأمن لأبو عيون بُرْق (زرق) وأسنان فُرْق»، فانتظر دخول الليل واستأذن صاحب البيت أن يبيت خارجه قريبا من إبله وأخذ فراشه ووضع حجارة تحت اللحاف، وانتحى مكانا غير بعيد يراقب منه حركات مضيفه صاحب العيون الزرق، وبعد أن أيقن المضيف أن صاحب الإبل قد غض في نوم عميق، أخذ يقترب منه على رؤوس أصابعه حتى وصله ثم هوى عليه بسيفه بضربة شديدة، ولكن الضيف تمكن من الإفلات من الضربة ويرد عليه بضربه، ليتأكد من صدق النصيحة الثانية.
واصل الرجل مسيرة العودة وساق إبله الى أن بلغ منزله فعلا وقد كان الوقت ليلا، وعندما دخله وجد زوجته نائمة وبجانبها شاب، فاغتاظ لذلك ووضع يده على حسامه وأراد أن يهوي به على رؤوس الإثنين، وفجأة تذكر النصيحة الثالثة «نام على النَّدَم ولا تنام على الدم» فهدأ وتركهم على حالهما، وخرج من البيت وسار بإبله ونام بعيدا حتى الصباح. وبعد شروق الشمس، ساق إبله واقترب من البيت فعرفه الناس ورحبوا به، واستقبله أقاربه وقالوا له: لقد تركتنا فترة طويلة، انظر كيف كبر خلالها ابنك حتى أصبح رجلا. ونظر الرجل الى ابنه واذا به ذلك الشاب الذي كان ينام البارحة بجانب زوجته، فحمد الله على أن هداه الى عدم قتلهما، وقال في نفسه: حقا.. كل نصيحة أفضل من جمل.. ومن هنا جاء عنوان المثل «النصيحة بجمل».
فشكرا صديقي حيدرعلى النصيحة، وإن كانت على انفراد فجعلتها أمام الجميع، فالنصيحة من كمال الإيمان وتمام الإحسان، إذ لا يكتمل إيمان المسلم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ويكره لأخيه ما يكره لنفسه. وقد روى مسلم عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : « (الدِّينُ النَّصِيحَةُ).
كاتب ومحلل سياسي بحريني