
محمد عبدالله العريان
تتوقع المفوضية الأوروبية وصندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية نمو اقتصاد الاتحاد الأوروبي في المتوسط بنسبة 1.9 % في العام المقبل، وهو معدل يتماشى بشكل كبير مع متوسط 2 % المتوقع لهذا العام. قد يكون هذا التنبؤ مفرطا في التفاؤل، ليس فقط لأن معدل النمو نفسه من المحتمل أن يخيب أملهم، ولكن أيضًا بسبب وجود نقص حاد في إمكانيات النمو في الاتحاد الأوروبي بعد عام 2019 - وهو ما يصعب على القادة الأوروبيين مواجهته بفعالية في الوقت الحاضر.
إذا كان الاتحاد الأوروبي عبارة عن فريق كرة قدم، فلن يخسر في المباريات بسبب عدم وجود خطة اللعب أو نظرا لعدم كفاية القدرات. تبلغ قيمة اقتصاد الاتحاد الأوروبي حوالي 19 مليار دولار، وهو يُعد ثاني أكبر اقتصاد في العالم، حيث يشكل حوالي خمس الناتج العالمي. المشكلة هي أن الفريق ككل لا يلعب بشكل موحد، وجميع اللاعبين الرئيسيين يناضلون بشكل فردي، وذلك راجع للمشاكل المتصاعدة في المنطقة.
في العام الفائت، تم اتخاذ بعض الخطوات اللازمة - مثل تعزيز شبكة الأمان المالي الجماعي - لزيادة قدرة الاتحاد الأوروبي على التعامل مع التحديات التي يواجهها. لكن الهيكل العام للاقتصاد لا يزال غير مكتمل. تبرز المشاكل بشكل خاص في منطقة اليورو، التي تواجه تحدي التقدم البطيء في الاتحاد المصرفي، وعدم التنسيق الكافي بين السياسات المالية، والانقسامات السياسية.
قد يزيد ذلك من حدة التوترات. بداية، أصبح قادة وأحزاب السياسة الشعبوية يتمتعون بسلطة كبيرة، بعد التغلب على مخاوف واسعة النطاق حول الهوية والهجرة، إلى جانب الإحباط إزاء النخب السائدة لكسب الدعم والقوة، في العديد من البلدان. لكن الانتقال من قيادة الحملات الانتخابية إلى اتخاذ القرارات - سواء داخل البرلمان أو داخل الائتلاف الحاكم، كما هو الحال في إيطاليا - لم يكن سهلا بالنسبة للعديد من الأحزاب المعادية للمؤسسة، نظراً لعدم وجود برامج سياسية شاملة. إلى جانب الانتخابات البرلمانية الأوروبية المقرر عقدها في العام المقبل، يُعيق هذا الشعور المتزايد بعدم اليقين التنسيق وعملية صنع القرار على مستوى المنطقة، في حين يشعر العديد من صناع السياسة بالقلق إزاء قضية بريكسيت التي لم يتم حلها بعد. ونتيجة لذلك، لم تعد لديهم القدرة الكافية لإزالة العقبات أمام نمو الإنتاجية وبناء اقتصاد أكثر مرونة يمكنه الاستجابة للتقدم التكنولوجي السريع والتغيرات في البيئة الاقتصادية العالمية.
إن نقص السيولة في أوروبا لن يساعد في حل الأمور. وبعد أن أعلن البنك المركزي الأوروبي بالفعل عن خفض شراء الأصول، من المتوقع أن يُنهي برنامج التحفيز الشامل في نهاية هذا العام. كما أشار رئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراجي إلى أنه من المرجح أن يتم رفع سعر الفائدة بحلول نهاية ولايته في أكتوبر 2019.
في حين تُهدد هذه العوامل بتفاقم تحدي الانقسام الذي يواجه اقتصاد الاتحاد الأوروبي، حتى الفريق المتعثر يمكن أن يضمن الفوز إذا نجح اللاعبون الرئيسيون في تحقيق أداء قوي بما فيه الكفاية. ولسوء الحظ، فإن القضايا المحلية التي تتحدى الحلول البسيطة وتعيق عملية صنع السياسات الوطنية والأوروبية تؤثر على أكبر اقتصاديات الاتحاد الأوروبي - فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وأسبانيا والمملكة المتحدة.
على سبيل المثال، تعرضت فرنسا لأزمة خانقة اٍثر الحركة الاحتجاجية الشعبية المثيرة التي حملت لقب «السترات الصفراء» ضد خطة الإصلاح التي وضعها الرئيس إيمانويل ماكرون. وتواجه ألمانيا مرحلة انتقالية سياسية عميقة، حيث تستعد المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل للتقاعد في نهاية فترة ولايتها الحالية. الى جانب الخلاف بين الحكومة الإيطالية الشعبوية والمفوضية الأوروبية حول الميزانية المقترحة لعام 2019، والذي يستند أيضًا إلى افتراضات متفائلة لنمو الناتج المحلي الإجمالي. وبالنسبة لبولندا، فقد تبنت حكومتها ما يسمى بالديمقراطية غير الليبرالية، حيث تسعى الى تنفيذ سياسات يرى الكثيرون أنها لا تتماشى مع قيم ورؤية الاتحاد الأوروبي. وبالمثل، لا تزال حكومة أسبانيا ضعيفة. وفي المملكة المتحدة، تعيق الانقسامات داخل حزب المحافظين الحاكم التقدم نحو عملية بريكست منتظمة، مما يحول دون تنفيذ مبادرات سياسة فعالة مؤيدة للنمو والإنتاجية.
ومع استبعاد ايجاد حلول فعالة لهذه المشاكل على المدى القريب، ستفقد محركات النمو الرئيسية في أوروبا قوتها خلال عام 2019. وفي هذه الأثناء، من المحتمل أن تظل جهود السياسة الرامية إلى تعزيز إمكانيات النمو طويلة الأجل للاتحاد الأوروبي مجرد استثناء وليس قاعدة. كل هذا سيحدث في بيئة خارجية أقل دعماً من الناحية الاقتصادية والمالية.
وبالفعل، فإن محرك التصدير التابع للاتحاد الأوروبي ليس قوياً بما يكفي لتعويض العوامل المحلية الدافعة للنمو. ومع ذلك، ستعرف الصادرات انخفاضا ملحوظا، حيث سيؤدي تباطؤ اقتصاد الصين الى تقويض الطلب الخارجي. فــي هـذه الأثناء، من المرجح أن تستمر تقلبات الأسواق المالية في ظل تباطؤ النمو العالمي، والضعف التقني، وانعكاس التوسعات النقدية المضطربة، والتي تضمنت ضخ سيولة كبيرة ومتوقعة من قبل البنوك المركزية.
ونتيجة لذلك، سيواجه «فريق» الاتحاد الأوروبي تحديات خطيرة في كل من المباراة المحلية والمنافسة الدولية. لكن الأخبار ليست كلها سيئة: من الناحية الفنية، لدى الاتحاد الأوروبي الاستراتيجية الفعالة والقوى اللازمة التي يحتاج اليها للقيام بأداء جيد. تمكن الاقتصاد من التغلب على أكبر التحديات في الأزمة المالية العالمية. وقد تم بذل الكثير من الجهود لتحديد الخطوات السياسية المطلوبة لتحقيق نمو قوي وشامل، والحد من الضعف المالي، ووقف تراجع الازدهار على المدى الطويل. علاوة على ذلك، يتمتع الاتحاد الأوروبي بقدرات داخلية كبيرة غير مستغَلة. إن استخدام هذه القدرات من خلال استراتيجية منسقة يمكن أن يحسن الأداء الاقتصادي للاتحاد الأوروبي وإمكانياته بشكل كبير.
سوف يتطلب النجاح وجود قادة سياسيين قادرين على إلهام الشعب والاستعداد لمبادرات سياسة متسقة تدعم النمو. وكلما طال انتظار ظهور هؤلاء القادة، سيكون من الصعب على الاتحاد الأوروبي تجنب الهزيمة.
كبير المستشارين الاقتصاديين في أليانز، وعمل كرئيس مجلس التنمية العالمي للرئيس الأمريكي باراك أوباما