تضامن اليورو

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٢٠/ديسمبر/٢٠١٨ ٠٦:٣٢ ص
تضامن اليورو

يورجن ستارك

منذ العام 2010، جرى اعتماد العديد من التدابير لجعل منطقة اليورو قادرة على «مقاومة الأزمات». وبالإضافة إلى قواعد الموازنة الأكثر إحكاما وبدء عمل الاتحاد المصرفي، تُبذَل الآن جهود جديدة لتعزيز آلية الاستقرار الأوروبي، التي أصبح المقصود منها الآن أن تعمل كسند لصندوق الحل الموحد. في اجتماع المجموعة الأوروبية الأخير، وافق وزراء مالية منطقة اليورو على إصلاحات الهدف منها السماح للدول الأعضاء «السليمة» جوهريا بالوصول إلى خطوط الائتمان «الطارئة» التابعة لآلية الاستقرار الأوروبي شريطة استيفاء شروط معينة، والسماح لكل عقود السندات السيادية بأن تتضمن فقرات العمل الجماعي بحلول العام 2022.

مع استمرار صناع السياسات في مناقشة ما إذا كان من الواجب عليهم أن يعملوا على إنشاء ميزانية لمنطقة اليورو ومخطط للتأمين على الودائع، ينبغي لنا أن نتأمل في ما قد تحمل الإصلاحات المقدمة حتى الآن من مغزى في ما يتصل بالمستقبل. ومن القضايا المطروحة ما إذا كنا راغبين في إنشاء اتحاد نقدي حيث تكون الدول الأعضاء مسؤولة بشكل فردي عن سياساتها، أو اتحاد نقدي يقوم على التضامن، ويكتمل بتقاسم المخاطر والتحويلات المالية.

وفقا لمبدأ التضامن في الاتحاد الأوروبي، ركز الإصلاح على إدخال المزيد من شبكات الأمان وتدابير الدعم، في ظل ميزانية مشتركة، وتأمين مشترك للباحثين عن عمل والتأمين على الودائع، وما إلى ذلك. والافتراض هنا هو أنه كلما ازدادت درجة تقاسم المخاطر، كلما أصبحت منطقة اليورو أكثر استقرارا. لكن هذه مغالطة. ففي الممارسة العملية، كان نشر أي ضمانات جديدة يفرض درجة عالية من المخاطر الأخلاقية ويخلق حوافز ضارة للحكومات والمشاركين في السوق على حد سواء.
في ظل إصلاحات منطقة اليورو الأخيرة، حَلّ مبدأ المسؤولية المشتركة محل مبدأ مفاده أن من يخوض المجازفات والمخاطر لابد أن يكون مسؤولا عنها، وهذا يعني ضمنا تحويلات مالية على نطاق غير مسبوق في حالة حدوث أزمة. والواقع أن الوضع الحالي في إيطاليا لابد أن يخدم كتحذير لكل أولئك الذين يدعون إلى تقاسم المخاطر. وما يزيد الطين بلة أن التركيز على التضامن فحسب يعني عدم الالتفات إلى المشاكل الحقيقية في منطقة اليورو. وتتضمن هذه المشاكل المستويات المرتفعة من الديون العامة والخاصة، والمؤسسات الضعيفة، والأسواق التي تعاني من فرط التنظيم، وتصحيحات الموازنات العمومية غير المكتملة من جانب الشركات والبنوك.
والحجج التي تُساق لصالح تدابير التضامن الموسعة غير مقنعة. فإما أن تكون أدوات تقاسم المخاطر غير ضرورية، أو ربما لا يمكن نشرها إلا في ظل ظروف تجعلها سببا في تقويض استقرار منطقة اليورو. فلماذا، على سبيل المثال، تحتاج أي دولة «سليمة» في منطقة اليورو للحصول على «خط ائتماني طارئ» ما لم تكن تعاني من نقاط ضعف مستترة؟
ومن المريب بنفس القدر تلك المبررات المعلنة لإنشاء ميزانية مشتركة لمنطقة اليورو. فهل الغرض منها تثبيت استقرار الكتلة في حال الصدمات؟ أم أن الأمر يتعلق بالاستثمارات أو خلق الحوافز المالية لتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية المحلية؟
في الرد على السؤال الأول، نستطيع أن نقول إن الصدمات التي تعرضت لها منطقة اليورو خلال تاريخها الذي امتد عشرين عاما، كانت غير متماثلة، وكانت تدور حول الدول الأعضاء التي تلاحق سياسات غير مسؤولة. وباستثناء أزمة العام 2008، كانت صدمات منطقة اليورو صغيرة بوجه عام وترجع إلى أسباب ذاتية، مما يشير إلى أن الاستجابة المناسبة ينبغي أن تكون على هيئة سياسات محلية لبناء مخففات أكثر قوة لصدمات الموازنة.
إذا كان الغرض توفير صناديق استثمارية، فإن ميزانية الاتحاد الأوروبي، و»خطة يونكر»، وبنك الاستثمار الأوروبي، كلها هيئات تقوم بهذا الدور بالفعل. فمشكلة أوروبا ليست نقص الموارد المالية، بل الافتقار إلى المشاريع المناسبة وقدرة الدول الأعضاء المحدودة.
وأخيرا، تفترض الحجة لصالح الميزانية المشتركة لمكافأة الإصلاحات الاقتصادية المحلية أن مثل هذه الإصلاحات تخلق أعباء مالية ضخمة في الأمد القريب. لكن الأدلة التجريبية غير حاسمة. في كل الأحوال، لابد من التعويض عن التكاليف المترتبة على التقاعس عن تنفيذ الإصلاحات الضرورية في مقابل التكاليف اللازمة لتنفيذها، وإن لم يكن ذلك إلا لمجرد توضيح حقيقة مفادها أن الإصلاحات البنيوية تصب في مصلحة البلدان فرادى.
وبالمثل، تُعَد خطة التأمين على الودائع على مستوى منطقة اليورو فكرة غير سديدة في هذا الوقت، وذلك نظرا لحجم القروض المتعثرة في العديد من الدول الأعضاء. أما عن مخاطر المستقبل، فلابد من إنهاء المعاملة التنظيمية التفضيلية للسندات الحكومية. ولابد أن تأتي الديون السيادية مدعومة بالأسهم، ومن الأهمية بمكان تحديد سقف للإصدارات الحكومية من الأوراق المالية.
لقد حان الوقت لمعالجة نقاط الضعف الحقيقية التي تعيب منطقة اليورو بدلا من تثبيت المزيد من الضمانات. فقد اندلعت أزمة الديون السيادية بفِعل مواقف مالية ضعيفة وشكوك حول مدى استدامة الديون العامة، وهو ما اقترن بعجز بنيوي أدى إلى خسارة القدرة التنافسية. وبالتالي فإن الإصلاحات الاقتصادية تظل تشكل ضرورة أساسية. وما لم يتم تقليص المخاطر الناجمة عن ارتفاع الديون العامة بشكل منهجي، فسوف تكون بلدان منطقة اليورو معرضة بشدة للخطر عندما تندلع الأزمة المقبلة.
علاوة على ذلك، يجب أن تكون القواعد التي تحكم الميزانية أكثر شفافية، ومصداقية، وقابلية للتنفيذ من خلال فرض عقوبات تلقائية ضد السلوكيات التي تُظهِر الافتقار إلى التضامن. ومن الأهمية بمكان أن نستعيض عن التركيز على «العجز البنيوي» بقواعد إنفاق أكثر بساطة وأقل اعتمادا على الدورة الاقتصادية. ويجب أن نعهد لهيئة مالية أوروبية مستقلة وأكثر مصداقية بمراقبة الميزانية وتنفيذ وفرض القواعد. ومن الواضح أن المفوضية الأوروبية المسيسة إلى حد كبير لا تلبي هذه المتطلبات.
كما تحتاج منطقة اليورو إلى قانون للإعسار، وهذا من شأنه أن يعيد المصداقية إلى فقرة عدم الإنقاذ في معاهدة لشبونة. وبطبيعة الحال، لابد من كسر العلاقة بين الحكومات والبنوك دون إبطاء.
في ضوء هذه الأجندة، تشكل أحدث جهود الإصلاح خطوة في الاتجاه غير الصحيح. ذلك أن المسؤولية المشتركة باسم التضامن سرعان ما تتحول إلى مسار ذي اتجاه واحد تلاحق الحكومات من خلاله سياسات اقتصادية مستقلة لتفادي المساءلة. ونظرا لمستوى الدين العام المرتفع في منطقة اليورو، فإن المسؤولية المشتركة تنطوي على مخاطر مالية هائلة.
الآن، يجري اختبار حدود سياسات التضامن في منطقة اليورو. ومن الواضح أن انتشار مصدات التخفيف لا يمنع تخفيف المخاطر فحسب، بل ويستحضر أيضا المزيد من المخاطر في واقع الأمر. وفي حال اندلاع أزمة، فسوف يتجلى بوضوح عجز الحكومات عن تحمل هذا العبء الجماعي، وسوف يترتب على ذلك عواقب بعيدة المدى تضر باستدامة الموارد المالية العامة والاستقرار المالي والنقدي في منطقة اليورو.
غني عن القول إن غاية الإصلاح هي منع مثل هذا السيناريو. ولتأمين الاتحاد الاقتصادي والنقدي في أوروبا، فلابد من التخلي عن فكرة تقاسم المخاطر لصالح العمل على الحد من المخاطر.

عضو اللجنة التنفيذية في البنك المركزي الأوروبي سابقاً، ونائب محافظ البنك المركزي الألماني السابق.