ندم الفراشات

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ١٧/ديسمبر/٢٠١٨ ٢٣:٤٥ م
ندم الفراشات

د. لميس ضيف

عندما أُلقي السمع لهواجسي، أتمنى لو أن حياتي التي مرّت كانت تحوي زر «EDIT» كذلك الموجود في الحواسيب والأجهزة الذكية. يُتيح لي هذا الزر، أن أغيّر أحداثا أو أمحي أحداثا، وأُعيد صياغة بعض العبارات التي قلتها في غير مكانها، وقول أو كتابة أخرى كان عليّ أن أقولها ولسبب ما لم أفعل. كما وكنت لأود حقا أن أمحي شخصيات من حياتي، أو أُعطي آخرين مساحة أكثر من اهتمام لم أقدّمه لهم طواعية.

إنها مساحة ندم مشروعة، لا يناقشها الكثيرون مع أنفسهم هربا من إحساس مرّ، لا يُغسل بسهولة.

يُفيد من هم مثلي أن يتذكروا دوما مصطلح نظرية الفراشة، والتي سُمّيت أيضا بنظرية الفوضى، وهي نظرية خرج بها إدوارد لورينتز عام 1963، تعبّر عن التأثير والترابط الذي ينجم عن حدث ما. «رفرفة فراشة في الصين قد تتسبب في فيضانات في أمريكا وإفريقيا» يقول منظرو تلك النظرية. فوسط نظام ديناميكي حساس، كذلك الذي نعيش فيه، يتأثر كل شيء بأي شيء. أو كما يصف يوهان فيتشه الأمر في كتابه «لا يمكنك إزالة حبة رمل واحدة من مكانها دون تغيير شيء ما عبر جميع أجزاء الكل اللامحدود».
إن أجنحة الفراشة الرقيقة قد تُحدث تغيّرات بسيطة في الجو، تعجّل أو تؤخّر أو حتى تمنع حدوث إعصار في مكان آخر. وكل تغيير -أيا كان طفيفا- في الأحداث يمكن أن يؤدي لتغييرات جذرية في مسار موضوع آخر.

كيف تمسنا هذه النظرية؟

بين ما نحب في حياتنا، وما نكره ونتمنى محوه أو تغييره.. خيط رفيع.

بتغيير ما كرهته في حياتك قد تغيّر بشكل عارضي ما أحببته فيها حد الثمالة. وقد يؤدي تغييرك لحدث واحد، أيا كان مؤلما أو قاسيا، لتغيير شخصيتك التي أنت عليها اليوم، التي بنيتها بالدموع والضحكات، والانتصارات والهزائم، ومررت بأقسى التجارب لتصقلها كما هي اليوم.

إن نظرية الفراشة التي ساعدت العلماء على التنبؤ بالكوارث والمناخ، تُخبرنا أيضا أن علينا أن نُحب فصول حياتنا بما هي عليه وكيفما أتت، وتُعلّمنا أن الندم لا مكان له في قواميس النجباء، الذين يعرفون أن للقدر تدابيره وله كلمته التي يجب أن تُقدر أيا ما كانت.

lameesdhaif@gmail.com