ألمانيا في مركز الدفاع

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ١٧/ديسمبر/٢٠١٨ ٢٣:٣٤ م
ألمانيا في مركز الدفاع

سوافمير سييراكافسكي

تقول مزحة قديمة متداولة بين غير الأمريكيين إنهم أيضا يجب أن ينالوا حق التصويت في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، نظراً لأهمية هذا المنصب ومدى تأثيره على حياتهم. وعندما اجتمع حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الألماني هذا الشهر لاختيار زعيم جديد، فربما كانت مشاعر الأوروبيين مماثلة.
الحق أن حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي ليس الأكبر في ألمانيا فحسب؛ بل هو أيضا الأكبر في الاتحاد الأوروبي. وفي مؤتمره الأخير في هامبورج، كانت كلمة "أوروبا" تجري على الألسنة على نحو لا ينقطع، حيث أعرب أغلب المتحدثين عن شعورهم بالمسؤولية عن كل ما يحدث في مختلف أنحاء الاتحاد الأوروبي.
ويعكس انتخاب أنجريت كرامب كارينباور خلفا للمستشارة الألمانية أنجيلا مريكل كزعيمة للحزب هذا الشعور، لأن اختيارها يشير إلى الحرص على الاستمرارية. ولأنها موالية لمريكل فمن غير المرجح أن تدفع كرامب كارينباور المستشارة أنجيلا مريكل إلى الخروج قبل انتهاء ولايتها في عام 2021.
على مدار ثلاثة عشر عاما قضتها مريكل في منصب المستشارية حتى الآن، كانت سياسات الحكومة الألمانية تفاعلية على وجه الحصر تقريبا. وحتى "القرار" الذي سمح بدخول أكثر من مليون لاجئ في العام 2015 كان في حقيقة الأمر مجرد قرار بعدم وضع أسلاك شائكة وقوات مسلحة على حدود ألمانيا (تخيل ردة فعل العالَم على مثل تلك الصورة). على نحو مماثل، كان القرار الذي اتخذته مريكل بالتخلص التدريجي من محطات الطاقة النووية في ألمانيا وفرض العقوبات على روسيا، دفاعيا على الرغم من كونه حاسما وصعبا.
بين المتنافسين الثلاثة للحلول محل مريكل، كان فريدريش ميرز المؤيد الأكثر صراحة لاتباع نهج أكثر نشاطا في الداخل، وفي داخل أوروبا، وفي الخارج. ورأى بعض المراقبين في ميرز الفرصة لاستعادة الشخصية اليمينية لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، وبالتالي إنقاذ نظام الحزبين في ألمانيا. في ضوء الوضع الحالي، أصبح حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي والحزب الديمقراطي الاجتماعي يمثلان الوسط، في حين اتخذ حزب الـخُضر والحزب الشعبوي البديل من أجل ألمانيا مواقف إيديولوجية واضحة على اليسار واليمين، على التوالي.
سوف تظل هذه الحال قائمة الآن. ويعني انتخاب كرامب كارينباور أن انهيار نظام الحزبين البطيء في ألمانيا سوف يستمر. وسوف تضطر الحكومات الفيدرالية في المستقبل إلى تشكيل ائتلافات هشة، وسوف يكون التواجد الألماني في البرلمان الأوروبي مفتتا بين أحزاب مختلفة، مما يجعله أقل فعالية. وفي الأرجح، سوف يضطر المحافظون الألمان في حزب الشعب الأوروبي إلى التماس الدعم من رجل المجر القوي فيكتور أوربان، الذي يحظى حزبه فيدسز بكتلة تصويتية متزايدة الأهمية ضمن مجموعة الحزب.
ويبدو أن ميرز ظهر بمظهر الشخص البارد التحليلي الموضوعي في نظر مندوبي حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي. فاليوم، لا يستند الاتجاه المحافظ في حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي على الإيديولوجية، بل على الحاجة إلى الوحدة والتوافق. ويحتاج الحزب إلى شخصية أبوية أو أمومية على رأسه، بما يتماشى مع تقاليد المستشارين السابقين كونراد أديناور وهيلموت كول، والآن مريكل (التي يطلق عليها اسم التدليل "موتي").
انتُخِبَت كرامب كارينباور (بهامش ضئيل) في الأرجح، لأن خطابها في المؤتمر تمركز حول تاريخها الشخصي وخبراتها، والتزاماتها تجاه حزبها ومنطقتها. وفي الرد على أولئك الذين ينظرون إليها على أنها "مريكل مصغرة"، أسهبت في استعراض ثمانية عشر عاما أمضتها كوزيرة ورئيسة وزراء لولاية سارلاند.
على النقيض من ذلك، لم يتحدث ميرز عن نفسه مطلقا، بل ركز بالكامل على السياسة الخارجية والاقتصادية. وتمشيا مع دعمه الحذر لمقترحات إصلاح الاتحاد الأوروبي التي عرضها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، دعا إلى الوحدة الأوروبية، زاعما أن الولايات المتحدة لن تحترم أوروبا التي لا تتحدث بصوت واحد. وأشاد بألمانيا باعتبارها الدولة الأكثر انفتاحا في العالَم، لكنه حذر من أن الانفتاح ليس بلا حدود. وفي وقت يتسم بصعود النزعة المناوئة لليبرالية، دافع عن سيادة القانون.
رفض مندوبو حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي ميرز، لكنهم لم يرفضوا برنامجه، مشيرين إلى أنهم يودون أن يروا كرامب كارينباور تلاحق أجندة ميرز السياسية. لم تغب هذه الحقيقة عن كرامب كارينباور، وربما يفسر هذا لماذا اختارت بول زيمياك لشغل منصب الأمين العام للحزب. كان زيمياك يفضل ميرز وجينس سبان على كرامب كارينباور في قيادة السباق، وكان واحدا من أعلى منتقدي مريكل صوتا داخل حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي.
انتقد زيمياك علانية اعتراف ألمانيا بالمهاجرين لأسباب اقتصادية، حتى برغم أنه مهاجر من بولندا. ومع ذلك، فبوصفه سياسي بولندي المولد ويتحدث اللغة البولندية في ألمانيا، فربما يُظهِر تفهما خاصا لجارة ألمانيا المهمة إلى الشرق، كما فعلت مريكل (التي غير جدها لقبه من كزمييرساك إلى كازنر في العام 1930). وعلى أقل تقدير، لن يكون شريكا صعبا لأوربان وزعيم بولندا بحكم الأمر الواقع ياروسواف كاتشينسكي، بقدر صعوبة ميرز أو سبان.
من المثير للاهتمام أن كل المرشحين الثلاثة في السباق على زعامة حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي أعربوا من مخاوفهم بشأن شراكة ألمانيا مع روسيا في إطار خط أنابيب الغاز نورد ستريم 2. وقد يبدو أنهم جميعا ينتمون إلى نفس المدرسة الفكرية التي ينتمي إليها مانفريد ويبر، مرشح حزب الشعب الأوروبي الأوفر حظا في السباق على رئاسة المفوضية الأوروبية، والذي ستحسم نتيجته بعد انتخابات البرلمان الأوروبي في مايو 2019.
عند هذه النقطة، تظل وجهات نظر كرامب كارينباور بشأن الاقتصاد والسياسة الخارجية غير معلومة إلى حد كبير. فقد تجنبت هذه القضايا بالكامل أثناء حملتها لزعامة الحزب، لأنها لم تكن ترغب في إعطاء الانطباع بأن صلاحياتها كزعيمة لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي قد تتداخل مع صلاحيات مريكل كمستشارة. ومع قدوم سلسلة من الانتخابات المحلية في عام 2019، فمن المرجح أن تركز كرامب كارينباور على السياسة الداخلية، في حين تتولى مريكل رعاية الشؤون الخارجية للبلاد.
في ظل معاناة فرنسا بسبب عودة احتجاجات الشوارع العنيفة وانزلاق سيرك الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي إلى الفوضى، ربما تبدو ألمانيا وكأنها واحة من الاستقرار النسبي. لكن هذه الواحة ليست سوى سراب. إذ تنم الحقيقة الواقعة عن التصلب المستحكم الذي طالما عرقل إصلاحات الاتحاد الأوروبي المطلوبة بشدة.
في ضوء التوترات المتزايدة الحدة، داخل الاتحاد الأوروبي، وبين أوروبا والولايات المتحدة، لن تكون السياسات الدفاعية الألمانية المعتادة كافية. فالآن تجد البلاد نفسها في مرمى النيران المتبادلة في إطار الحرب التجارية المتصاعدة بين الصين والولايات المتحدة. وكان بوسعها أن تتجنب هذا الموقف لو أخذت المبادرة لإصلاح الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو في وقت سابق، عندما سنحت لها الفرصة. والواقع أن صعود كرامب كارينباور لا يقدم أي سبب يجعلنا نعتقد أن ألمانيا قد تغير المسار الآن.

مؤسِّس حركة "كريتيكا بوليتيكانا"، ومدير معهد الدراسات المتقدمة في وارسو، وزميل أكاديمية روبرت بوش في برلين.