
امين سيكل
إن العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على إيران في وقت سابق من الشهر مصممة لعزل إيران اقتصاديا وفرض إما تغيير النظام أو تحول دراماتيكي في سلوك النظام. لقد وصف المسؤولون الأمريكيون العقوبات الجديدة- الحزمة الثانية منذ أغسطس- بأنها أقسى عقوبات تم تطبيقها على إيران.
ولكن وعلى الرغم من المصاعب التي ستتسبب بها تلك العقوبات بالنسبة للإيرانيين العاديين، فإن من غير المرجح أن تحقق تلك العقوبات النتائج التي يصبو إليها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
لقد جاءت العقوبات الأخيرة بعد انسحاب ترامب في مايو من صفقة النووي الإيراني والمعروفة باسم خطة العمل الشاملة المشتركة وبموجب تلك الصفقة وافقت إيران على السعي للحصول على تقنية نووية للأغراض السلمية فقط في مقابل رفع جميع العقوبات المرتبطة بالنووي والتي كانت تفرضها الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية.
لكن خطة العمل الشاملة المشتركة لم تحظَ يوما برضا ترامب والذي يشكو بأنها «صفقة سيئة للغاية» وبأنها لن تمنع إيران من تطوير أسلحة نووية في المستقبل ولا تستهدف صناعة الصواريخ الإيرانية وتتجاهل سلوك إيران الإقليمي المدمر مثل انخراطها في سوريا والعراق واليمن كما أن خصوم إيران الإقليميين الرئيسيين إسرائيل والمملكة العربية السعودية تشاطر ترامب مخاوفه.
لغاية الآن، رد القادة الإيرانيون على تجديد العقوبات الأمريكية بتحدٍ حيث تعهّدوا بالتقيّد بخطة العمل الشاملة المشتركة (بينما يعملون على تعزيز قدراتهم العسكرية التقليدية والاستمرار في السعي لتحقيق طموحاتهم الإقليمية). إن الموقعين الآخرين على الخطة مستمرون كذلك فقادة بريطانيا والصين وفرنسا وألمانيا وروسيا بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي والوكالة الدولية للطاقة الذرية يؤيدون الموقف الإيراني ويصرون أن إيران ملتزمة بشكل كامل ببنود خطة العمل الشاملة المشتركة.
إن من المؤكد أن الضغط الأمريكي قد أضر بإيران فبينما تعهّد القادة الغربيون والآسيويون بتحدي العقوبات الأمريكية التي تتجاوز الحدود -والتي تستهدف أطرافا أخرى تتعامل تجاريا مع إيران- بدأت الشركات الأجنبية التي استثمرت في إيران بعد التوقيع على خطة العمل الشاملة المشتركة بالانسحاب منها ومن المؤكد أن المزيد من تلك الشركات سوف تنسحب من إيران بعد الجولة الأخيرة من العقوبات.
ونتيجة لذلك فإن من المؤكد أن الاقتصاد الإيراني الهش سيتعرض لصدمة قاسية مما يشعل المزيد من الضغط على العملة لتفقد من قيمتها بالإضافة إلى ارتفاع الأسعار. إن الانخفاض السريع في مستوى معيشة الإيرانيين قد أدّى بالفعل لاضطرابات عامة على الرغم من قدرة النظام على احتواء الاحتجاجات الأخيرة وذلك بإلقاء اللوم على أمريكا. لكن، يجب علينا ألا نستخف بقدرة إيران على تحمّل تلك العقوبات وخاصة نظرا لقيام النظام بتعزيز علاقاته الاقتصادية والتجارية بشركاء رئيسيين بما في ذلك روسيا والصين والهند وفي حالة روسيا فإن الارتباط الثنائي يمتد الآن من صفقات الأسلحة والشراكات الاستراتيجية -وخاصة في سوريا- إلى الاستثمارات المباشرة. على سبيل المثال فإن شركات الطاقة الروسية تستثمر مبالغ تصل إلى 50 بليون دولار أمريكي في التنقيب عن النفط والغاز في إيران والتي تطور أيضا حقل الغاز الطبيعي بارس الجنوبي وهو أكبر حقل في العالم.
وفي الوقت نفسه فإن الصين توفر التمويل والمساعدة التقنية للعديد من المشروعات والتي تمتد من السكك الحديدية إلى المستشفيات وفي العام الفائت قامت الذراع الاستثمارية المملوكة للدولة في الصين مجموعة سي اي تي أي سي بتأسيس خط ائتمان بقيمة 10 بلايين دولار أمريكي كما وعد بنك التنمية الصيني بمبلغ 15 بليون دولار أمريكي إضافي ونظرا لأن الصين هي واحدة من ثمانية بلدان معفية لمدة ستة أشهر من العقوبات الأمريكية، فإنها ستستمر في شراء ما لا يقل عن 11 % من نفطها من إيران.
وأخيرا، فإن الهند والتي حصلت كذلك على إعفاء أمريكي مؤقت ما تزال ملتزمة بعلاقات طيبة مع إيران لسببين. أولا، إن الهند تستورد أكثر من 10% من نفطها من إيران مما يعني أن استبدال هذا التوريد سيكون مكلفا. ثانيا، لقد تعاونت الهند مع إيران لبناء ميناء المياه العميقة الإيراني تشاباهار على بحر عُمان والذي يهدف لمساعدة الهند في تجاوز خصمها الإقليمي باكستان في القدرة على الوصول لأفغانستان وآسيا الوسطى.
لا بد أن الموقف الهندي على وجه الخصوص مزعج لترامب فمن ناحية حث ترامب الهند على لعب دور أكبر في أفغانستان كجزء من استراتيجية الخروج الأمريكية من ذلك الصراع ومن جانب آخر لا يستطيع ترامب دعم الارتباط الهندي الاستراتيجي بإيران.
إن هذه العوامل -مع إصرار الاتحاد الأوروبي على المحافظة على خطة العمل المشتركة الشاملة واحتمالية إعادة بيع النفط الإيراني لأوروبا من قبل روسيا ونشاطات إيران المالية في العراق وغيرها- ستساعد إيران في تخفيف وطأة العقوبات الأمريكية.
إن هذا لا يعني أن بإمكان القادة الإيرانيين أن يتنفسوا الصعداء فعلى العكس من ذلك تواجه إيران قيودا مالية شديدة ولكن وكما فشلت العقوبات التي قادتها أمريكا على العراق في التسعينيات بالإطاحة بصدام حسين فإن من غير المرجح أن تؤدي العقوبات لتغيير النظام في إيران الآن وبينما من المؤكد أن الإيرانيين سيعانون فإن من المرجح كذلك أن النظام سيكون قادرا على إثارة ما يكفي من المشاعر الوطنية والدعم الخارجي لاحتواء أي تهديد لبقائه.
أستاذ العلوم السياسية ومدير مركز الدراسات العربية والإسلامية (الشرق الأوسط وآسيا الوسطى) في الجامعة الوطنية الأسترالية وهو مؤلف الكتاب القادم صعود إيران: بقاء ومستقبل الجمهورية الإسلامية.