مستنقع الحماية

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٢٥/نوفمبر/٢٠١٨ ٠٣:٢١ ص
مستنقع الحماية

آن أو. كروجر

بعد الحرب العالمية الثانية، قادت الولايات المتحدة العالَم في مسيرة الحد من حواجز الحماية وإنشاء نظام تجاري مفتوح وقائم على القواعد. وأسفر ذلك الجهد عن نصف قرن من النمو الاقتصادي الأسرع على الإطلاق في تاريخ البشرية. لكن إدارة رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب أخذت على عاتقها الآن عكس اتجاه ذلك التقدم. الواقع أن نزعة الحماية التي أطلق لها ترامب العنان معدية ومن المرجح أن تنتشر إلى ما هو أبعد من الصناعات التي يريد عزلها عن المنافسة الأجنبية.
لنتأمل هنا الصلب المستورد، الذي استهدفته إدارة ترامب بتعريفة جمركية بنسبة 25% في مارس. كان المبرر المعلن لهذه التعريفة هو "الأمن القومي"، حتى برغم أن الصناعات الدفاعية في الولايات المتحدة لا تمثل سوى 3% من استهلاك البلاد للصلب. إذا كان ترامب مهتما بالأمن القومي حقا، فلماذا لا تُبقي الولايات المتحدة على خام الحديد في الأرض باعتباره احتياطيا استراتيجيا يُستعان به للتصدي لأي عداوات في المستقبل. على أية حال، فُرِضَت التعريفات أيضا على حلفاء للولايات المتحدة، مثل كندا، وهو ما يُكَذِّب حجة الأمن القومي بشكل قاطع. ففي حالة منافسين مثل الصين، كانت الواردات من الصلب خاضعة بالفعل لتعريفات وصلت إلى 70%، ولم تكن تمثل سوى 2% من استهلاك الصلب في الولايات المتحدة.
تطبق تعريفات الاستيراد الأمريكية الآن على 59 نوعا مختلفا من الصلب. وإذا لم تستطع شركة أمريكية أن تحصل على مدخلات الصلب محليا، فيتعيّن عليها إما أن تدفع التعريفات أو تتقدم بطلب لإعفائها (استثنائها). وإذا سلكت المسار الأخير، فيتعيّن عليها أن تحدد كمية وقوة الصلب المطلوب، وتركيبته الكيميائية، وأبعاد المنتج (أنابيب، أو صفائح، على سبيل المثال)، وما إلى ذلك، كما يتعيّن عليها أن تقدم طلبا منفصلا لكل نوع من الصلب، حتى ولو كان الاختلاف الوحيد في الأبعاد. علاوة على ذلك، يجب أن يثبت كل طلب أن المتقدم به لم يتمكن من الحصول على الصلب من مصادر محلية.
بمجرد تسلم الطلب، يجري الإعلان عنه لمدة ثلاثين يوما حتى يتسنى للمنتجين المحليين الطعن في صحته والتنافس على توفيره. وإذا لم يتقدم أي منتج لتوفير الصلب المطلوب، يحصل مقدم الطلب على إعفاء لمدة عام واحد في غضون سبعة أيام من فترة المراجعة العامة. ولم يخل الأمر من تأخيرات كبيرة في منح الاستثناءات.
في مستهل الأمر توقعت إدارة ترامب أن يتقدم نحو 4500 منتج بطلبات لإعفاء منتجاتهم من الصلب. وفي الإشراف على عمليات فحص طلبات الإعفاء، استأجرت وزارة التجارة الأمريكية 30 موظفا جديدا لمراجعة الطلبات. ولكن بحلول الأول من نوفمبر، بلغ عدد الطلبات 31527 طلبا، بالإضافة إلى 14492 اعتراضا من منتجي الصلب. ووفقا لمؤسسة "كوانت جوف"، وافق مكتب الصناعة والأمن في الولايات المتحدة على 11259 طلبا، ورفض 4367 طلبا، ولم ينه بعد معالجة أكثر من 50% من الطلبات التي تسلمها. واعتبارها من الثاني من نوفمبر، أصبح سعر الصلب المدرفل على الساخن في الولايات المتحدة أعلى بنسبة 33.4% مقارنة بسعره في نفس الفترة من العام الفائت.
في عام 2002، عندما أقنعت صناعة الصلب في الولايات المتحدة الرئيس جورج دبليو بوش بفرض تعريفات بنسبة 8% إلى 30% على الصلب المستورد، كان عدد العاملين في مجال الصلب في الولايات المتحدة نحو 187 ألف عامل. ونتيجة لهذه الرسوم الجديدة، تم إنشاء ما يقدر بنحو 6000 وظيفة في صناعة الصلب في الولايات المتحدة، لكن الصناعات المرتبطة المستهلكة للصلب فقدت نحو 200 ألف وظيفة. وبعد تخفيف التعريفات في البداية، تخلت عنها إدارة بوش تماما بعد ثمانية عشر شهرا.
اليوم، هناك نحو 80 ألف عامل في مجال الصلب، فضلا عن ملايين آخرين يعملون في الصناعات المستهلكة للصلب. وتشير دراسة نشرت في شهر مارس إلى أن الرسوم التي فرضها ترامب عل الصلب والألمنيوم ربما توفر 33400 وظيفة إضافية في قطاع المعادن، لكنها ستدمر 180 ألف وظيفة في بقية قطاعات الاقتصاد.
كان كل هذا متوقعا. فالآن أصبحت الشركات المستهلكة للصلب (مثل شركات صناعة السيارات، والمعدات الآلية، ومعدات المزارع) متضررة بشدة مقارنة بالشركات المنافسة الأجنبية. وبينما تخسر حصتها في السوق، في الداخل والخارج، ستنحدر أيضا القدرة التنافسية لصناعة الصلب في الولايات المتحدة؛ لأنها محمية من المنافسة الأجنبية.
كما يتبيّن لنا من العدد الضخم من طلبات الإعفاء، فإن إدارة سياسات الحماية أمر بالغ التعقيد، حتى في صناعة منفردة. والآن، يزداد مستنقع ترامب من تدابير الحماية عمقا. فقد ذهبت كوريا الجنوبية، التي وافقت على تبنّي "قيود التصدير الطوعية" في مقابل الإعفاء من رسوم الصلب الأمريكية، إلى مطالبة رابطة المنتجين المحلية بتعيين حصص تصدير بين أعضائها. لكن سيظل لزاما على سلطات الجمارك الأمريكية أن تتحمّل تكلفة مراقبة كل الواردات من الصلب لضمان عدم تصنيفها بصورة غير صحيحة.
الواقع أن الرسوم الذي فرضها ترامب على الواردات من الصلب تصبح أكثر إثارة للحيرة والذهول عندما نعلم أن هناك طاقة إنتاجية فائضة في مختلف أنحاء العالَم من الصلب، وبوسعنا أن نعزو قسما كبيرا منها إلى الصين. وبدلا من ملاحقة حل متعدد الأطراف من خلال منظمة التجارة العالمية، يحاول ترامب زيادة إنتاج الولايات المتحدة من الصلب، وهو ما لن يؤدي إلا إلى الإضافة إلى هذه التخمة.
ما يزيد الطين بَلة أن إدارة ترامب تفكر أيضا في فرض تعريفات إضافية. في جمع حاشد في أغسطس كرر ترامب التهديد بفرض رسوم بنسبة 25% على السيارات -وخاصة تلك المستوردة من الاتحاد الأوروبي. وإذا نفذ تهديده، فقد ترتفع تكلفة شراء سيارة جديدة في الولايات المتحدة بنحو 1400 دولار إلى 7000 دولار، بصرف النظر عما إذا كانت مصنوعة محليا أو في الخارج، كما تشير تقديرات معهد بيترسون للاقتصاد الدولي. علاوة على ذلك، يرى بِن ستايل وبنيامين ديلا روكا من مجلس العلاقات الخارجية أن ارتفاع التكاليف نتيجة للرسوم على الصلب تسبب بالفعل في تعريض نحو 40 ألف وظيفة في صناعة السيارات الأمريكية للخطر.
في مجمل الأمر، لن تتسبب تعريفات ترامب على الصلب في خفض عجز الحساب الجاري ولن توفر المزيد من الوظائف الصافية. فالعجز يعكس الفارق بين المدخرات المحلية والاستثمار. ولن تخلف الرسوم المفروضة على الواردات أي تأثير على هذا الفارق، لكنها ستزيد بكل تأكيد من حجم التكاليف المفروضة على المستهلكين والمنتجين الأمريكيين. وبدلا من التفكير في فرض المزيد من الرسوم، يتعيّن على إدارة ترامب أن تتراجع عن عربدة تدابير الحماية قبل أن تزداد الأمور سوءا.

كبيرة الاقتصاديين السابقين بالبنك الدولي، والنائبة الأولى السابقة لمدير صندوق النقد الدولي