دعكم من الأخلاق يا جماعة!

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٢٥/نوفمبر/٢٠١٨ ٠٣:١٩ ص
دعكم من الأخلاق يا جماعة!

د. فيصل القاسم

كم هي مضحكة وكوميدية ومضللة الهجمة الإعلامية والسياسية على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لأنه يقدم العامل الاقتصادي والاستراتيجي والنفعي على العامل الأخلاقي في القضايا الدولية. يا جماعة الخير، لماذا تصورون الإدارة الأمريكية كما لو أنها كفرت برب العالمين لمجرد أنها تتعامل بعقلية مصلحية؟ لماذا تلومون وزير الخارجية الأمريكي عندما يقول إن المصالح العليا الأمريكية أولاً وأخيراً في أي قضية؟ لماذا تهاجمون الرئيس الأمريكي عندما يغرّد قائلاً: "أمريكا أولاً"؟
ما أنفق وما أسخف الذين يحاولون تصوير أمريكا على أنها بلد المبادئ والأخلاق، وأن الرئيس ترامب شوّه سمعتها في العالم؟ هل نحن فعلاً نواجه صراعاً حقيقياً داخل أمريكا بين الإدارة الأمريكية التي تمارس السياسة الواقعية real politic وبين بعض أعضاء الكونجرس ومجلس الشيوخ ووسائل الإعلام الأمريكية وعلى رأسها صحيفة واشنطن بوست ونيو يورك تايمز؟ هل فعلاً هناك نوازع أخلاقية عظيمة لدى المؤسسات الأمريكية السياسية والإعلامية التي ترفض موقف الرئيس الأمريكي من هذه القضية أو تلك، وتتهمه بالعمل كمدير علاقات عامة لتبرئة ساحة بعض الدول وتلميع صورتها؟ أخشى أن تكون الحملة المضادة لترامب في أمريكا مجرد ضحك على الذقون لإيهام العالم بأن أمريكا أم الأخلاق، وأنها لا ترضى عما تفعله الإدارة. بصراحة لا يمكن لذي عقل أن يصدق مطلقاً هذه "الهيصة" الأمريكية المناهضة لدونالد ترامب. ولا شك أن كثيرين يعتبرونها لعبة توزيع أدوار بين الإدارة من جهة وبين المؤسسات الإعلامية وبعض المؤسسات السياسية من جهة أخرى. الإدارة تمارس السياسة النفعية المفضوحة، والإعلام يهاجمها لذر الرماد في العيون.
لا شك أننا نرفع القبعة لصحيفة واشنطن بوست التي تتحدى البيت الأبيض، وتتبنّى قضايا إنسانية من منطلق أخلاقي.. رائع، لكن أين أخلاقيات هذه الصحيفة وغيرها من الصحف الأمريكية من قضايا ملايين العرب في سوريا واليمن والعراق وليبيا الذين ماتوا أو تشردوا أو يتعرضون للتعذيب المنظم؟ الأخلاق والمبادئ لا تتجزأ. هل ننسى أن كبريات الصحف الأمريكية هي من قادت الحرب على العراق وغزوه وإعادته إلى العصر الحجري؟ لقد كانت بعض الصحف تنشر الأخبار والمقابلات الداعية إلى غزو العراق على صفحاتها الأولى، ثم تنشر آراء المعارضين للحرب في الصفحات الداخلية التي لا يراها أحد، حسب الناشطة الأمريكية الشهيرة إيمي جودمان. ثم لماذا تنبري بعض الصحف للدفاع ليل نهار عن قضية صحفي واحد، بينما تتجاهل محنة ملايين المعذبين والمشردين واللاجئين العرب؟ لو أفردت هذه الصحف خمسة بالمئة من موادها للدفاع عن الصحفي لمهاجمة الطواغيت، لكانت قد أوجدت رأياً عاماً أمريكياً ضاغطاً على الإدارة لمعاقبة المجرمين الذين قتلوا وشردوا الملايين.
والسؤال الأهم: متى اتّبعت أمريكا سياسة أخلاقية في تاريخها؟ ألم تقم أصلاً على جماجم أكثر من مئة مليون هندي أحمر قتلتهم وهجّرتهم واحتلت وطنهم؟ أليست صاحبة أطول سجل للعدوان على الدول الأخرى؟ فلماذا تلومونها الآن على التضحية بشخص، وتنسون أنها باعت شعوباً وبلاداً من قبل من أجل مصالحها؟ ألا يتعامل الإعلام الأمريكي المملوك أصلاً للشركات التي تدير أمريكا بمبدأ: "قتل امرئ في غابة جريمة لا تغتفر، وقتل شعب آمن مسألة فيها نظر"؟ هل يمكن أن تقبل الشركات الكبرى التي تملك الصحف ووسائل الإعلام الأمريكية الأخرى أن تخسر أمريكا صفقاتها البليونية مع تلك الدولة وغيرها من أجل تحقيق العدالة لصحفي أو كاتب؟ دعكم من هذا النفاق. أليست الشركات التي تسيطر على الإعلام الأمريكي هي جزء لا يتجزأ من الطبقة الأمريكية الحاكمة؟
وكي لا نلوم أمريكا وحدها على سياستها النفعية، هل هناك دولة في العالم مستعدة أن تضحي بمصالحها الحيوية والاستراتيجية من أجل شخص أو حتى من أجل شعوب؟ حتى الأفراد أنفسهم ينسون قتلاهم وشهداءهم بسهولة مقابل دية بسيطة أو مصالحة تحفظ لهم ماء وجوههم، فما بالك بالدول. ليس هناك أخلاق في السياسة، بل هناك مصالح فقط. ومن يطلب الأخلاق في السياسة كمن يطلب الدبس من ذنب النمس. وسلامتكم.

إعلامي ومقدم برنامج الاتجاه المعاكس في قناة الجزيرة