رأسمالية الكوارث

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٢٥/نوفمبر/٢٠١٨ ٠٣:١٩ ص
رأسمالية الكوارث

مارتن جوزمان
جوزيف ستيجليتز

مضى أكثر من عام منذ دمّر إعصار ماريا إقليم بورتوريكو، وهي الكارثة التي زادت من معاناة وآلام الكومنولث الذي كان عالقا بالفعل في دوامة اقتصادية هابطة. فبالإضافة إلى مواجهة أزمة هجرة المواطنين إلى الخارج، سعت الجزيرة إلى تحقيق ما يرقى إلى مستوى الحماية من الإفلاس في مايو 2017. وبموجب قانون الولايات المتحدة للرقابة والإدارة والاستقرار الاقتصادي في بورتوريكو، يتولى الآن مجلس إشراف فيدرالي الإشراف على تمويلها.
رغم أن إعصار ماريا كان مأساة، فقد وفّر أيضا الفرصة لإعادة صياغة خطة مالية معيبة جرى اعتمادها من قِبَل مجلس الإشراف في مارس 2017. كان المفترض أن تعمل هذه الخطة على استعادة الصحة الاقتصادية على الجزيرة وفي الوقت نفسه تقديم المال للدائنين الذين كانوا يطالبون بالسداد. لكن تبيّن أن هذه الخطة من شأنها أن تعمل على تعميق ركود النشاط الاقتصادي، كما فشلت الخطة في وضع أسس مناسبة لحساب القدر الذي تحتاج إليه بورتوريكو من إعادة هيكلة الدين.
من المؤسف أن الفرصة لتصحيح مسار سفينة بورتوريكو المالية لم تستغل. بل على العكس من ذلك، أقر مجلس الإشراف مؤخرا خطة مالية جديدة تهدف إلى التعامل مع حاملي السندات الصادرة عن مؤسسة صندوق الفائدة العاجلة لبورتوريكو والذي قد يكبل الجزيرة بأغلال الدين إلى أجل غير مسمى.
عند مستوى 17.8 بليون دولار، يمثل رصيد سندات مؤسسة صندوق الفائدة العاجلة (المدعوم بعائدات ضريبة المبيعات في المستقبل) أكثر من ثلث إجمالي الدين في الخطة المالية الجديدة. ويشكّل اتفاق مؤسسة صندوق الفائدة العاجلة ذاته جزءا من جهود أكبر لإعادة هيكلة الدين يعتمد على تقييم غير واقعي للظروف الاقتصادية في الكومنولث. الأمر ببساطة أن شروط إعادة هيكلة الدين لا توفر القدر الكافي من التخفيف عن بورتوريكو لكي يتسنى لها تحقيق النمو في المستقبل.
بموجب الاتفاق الجديد، ترتفع مدفوعات الدين السنوية في بورتوريكو من 240 مليون دولار في العام المالي 2019 إلى ما يقرب من بليون دولار في العام المالي 2041، مما يعني معدل استرداد كلي لنحو 75.5% من المبلغ المستحق. وهي صفقة سخية للغاية لحاملي سندات مؤسسة صندوق الفائدة العاجلة. ولكن إذا كان حملة السندات الآخرين في بورتوريكو يأملون في تلقي معاملة مماثلة، فينبغي لهم أن يعيدوا التفكير في هذا الأمر. فكما تظهر حساباتنا، إذا جرى تنفيذ مثل هذه الصفقة، فلن يتبقى أي شيء تقريبا للفئات الأخرى من السندات (على افتراض أن الهدف من إعادة هيكلة الدين هو استعادة استدامة ديون الجزيرة).
بفضل مجلس الرقابة، سيحصل حاملو سندات مؤسسة صندوق الفائدة العاجلة الآن على ما يزيد كثيرا على ما كان بوسعهم توقعه في ديسمبر الفائت، عندما انخفضت سندات بورتوريكو إلى أدنى مستوياتها. وتعافت أسعار سندات كل من مؤسسة صندوق الفائدة العاجلة، وسندات الالتزامات العامة بشكل مطرد، نظرا للمباريات السياسية حول أموال الإغاثة من الكوارث التي كانت تتكشف على التوالي بين مجلس الإشراف والرقابة، والكونجرس الأمريكي، وحاملي السندات -وهي اللعبة التي انضم إليها مجلس النواب في بورتوريكو قبل بضعة أيام عندما أقر مشروع قانون يسمح بإبرام اتفاق مؤسسة صندوق الفائدة العاجلة.
كما يقول المثل القديم، فإن الأموال قابلة للاستبدال. وحتى إذا ذهبت كل الأموال المخصصة للإغاثة من الكوارث إلى حيث ينبغي لها أن تذهب بالفعل، فإن ضخ الأموال يحرر رغم ذلك الأموال في مواقع أخرى. وعلى هذا فإن التطور الأخير الذي طرأ على أسعار سندات بورتوريكو يعكس التوقع بأن الأموال الإضافية لن تذهب إلى مواطني بورتوريكو الذين لا زالوا يعانون من الآثار المدمرة التي خلّفها إعصار ماريا، بل إلى دائني الكومنولث.
الواقع أن الخطة المالية الجديدة التي أقرها مجلس الإشراف معيبة بنفس القدر. فاستنادا إلى توقعات النمو الجديدة التي تتسم بقدر أكبر من التفاؤل مقارنة بخطة ما قبل إعصار ماريا، يفترض المجلس أن الإعصار قدم لبورتوريكو على نحو أو آخر صدمة إيجابية صافية. تشمل الخطة الجديدة توقعات مشرقة نسبيا للعام المالي 2019، كما تتوقع نموا اقتصاديا وعائدات حكومية أعلى من الآن فصاعدا، رغم جرعات أكبر من التقشف المالي وتراجع المساعدات الفيدرالية.
من الصعب أن نفهم هذه الافتراضات، ومن الأصعب أن نقبل أنها يمكن أن توفر أساسا جيدا لحساب قدرة بورتوريكو الفعلية على السداد. وكما يشرح براد سيتسر من مجلس العلاقات الخارجية، فإن مجلس الإشراف يبرر تفاؤله استنادا إلى افتراض -غير معقول من منظورنا- مفاده أن الإصلاحات الهيكلية التي تقترحها الخطة للفترة 2021-2023 كفيلة بتحقيق مكاسب ضخمة إلى حد غير عادي.
بشكل أكثر واقعية، تتوقع الخطة انخفاضا حادا في عدد سكان بورتوريكو، من 3.3 مليون نسمة اليوم إلى 2.1 مليون نسمة بحلول عام 2058. ومع أن مجلس الإشراف يعترف ضمنيا بأن العديد من المواطنين لا بد أن يرحلوا إلى البر الرئيسي للولايات المتحدة في بحثهم عن عمل، فإنه يتوقع ارتفاع الناتج عن كل عامل بأعجوبة للتعويض عن تقلص قوة العمل.
رغم الإجماع القوي بين خبراء الاقتصاد على احتياج بورتوريكو إلى خطة اقتصادية مختلفة جذريا وخطة لإعادة هيكلة الدين، فمن الواضح أن صناع السياسات لا ينصتون. فإذا لم تخضع ديون الجزيرة لإعادة الهيكلة على النحو اللائق، ستظل عالقة في فخ الدين. وما دام المال اللازم للاستثمار يذهب لحاملي السندات، فإن النمو المستدام يظل في حكم المستحيل.
نظرا لحالة الاقتصاد في بورتوريكو بعد إعصار ماريا، فإن إعادة الهيكلة الأكثر عمقا للديون تصبح حتمية. لكن من خلال متابعة خطته المالية الجديدة واتفاق مؤسسة صندوق الفائدة العاجلة، أهدر مجلس الإشراف وقتا ثمينا، مما يضمن استمرار وتفاقم معاناة بورتوريكو التي دامت بالفعل عقدا من الزمن.

جوزيف ستيجليتز: حائز على جائزة نوبل في علوم الاقتصاد، وأستاذ في جامعة كولومبيا.
مارتن جوزمان: باحث مشارك في كلية إدارة الأعمال في جامعة كولومبيا.