القومية العِرقية الهدّامة

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ١٤/نوفمبر/٢٠١٨ ٠٤:٣٧ ص

شلومو بن عامي

في هذا الصيف، أقرت إسرائيل «قانون الدولة القومية» الجديد المثير للجدال الذي أَكَّد أن «الحق في (ممارسة) تقرير المصير الوطني ينفرد به الشعب اليهودي»، والذي اعتبر اللغة العبرية اللغة الرسمية في إسرائيل، وخفض اللغة العربية إلى «وضع خاص». لكن الدافع لفرض هوية متجانسة على مجتمع متنوع لا يقتصر على إسرائيل. بل على العكس من ذلك، يمكننا استشعار هذا الدافع في مختلف أنحاء العالَم الغربي ــ وهو لا يبشر بخير عندما يتعلق الأمر بالسلام.

في العقود القليلة الفائتة التي اتسمت بالعولمة السريعة، ظلت النزعة القومية حاضرة دوما في حقيقة الأمر، لكنها حلت في مرتبة تالية لآمال الازدهار الاقتصادي. ومع ذلك، أدت ردة الفِعل السلبية الأخيرة المعادية للعولمة ــ التي لم تنطلق بفِعل انعدام الأمان الاقتصادي والتفاوت بين الناس فحسب، بل وأيضا بسبب المخاوف من التغيير الاجتماعي والديموغرافي ــ إلى عودة القومية العِرقية القديمة إلى الظهور.

وينعكس هذا الاتجاه ــويتعززــ في ما يسميه بعض الخبراء «طفرة الذاكرة» أو «الحمى التذكارية»: انتشار المتاحف، والنصب التذكارية، ومواقع التراث، وغير ذلك من أشكال الحيز العام التي تؤكد على الروابط مع الهويات المحلية والتاريخ المحلي. وبدلا من الاحتفال بالتنوع، يحرص الناس على نحو متزايد على اعتناق هوية خاصة مانعة وليست جامعة.
ففي الولايات المتحدة، يرى أصحاب البشرة البيضاء على نحو متزايد أن احتمال تحولهم إلى أقلية ــ وهي النقطة المتوقع بلوغها في العام 2045 ــ يشكل تهديدا وجوديا، ويتصرفون غالبا وكأنهم مجموعة محرومة. وقد استغل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذه المشاعر للفوز بالدعم، والآن يعتمد حزبه الجمهوري على عمليات التطهير المفرطة التعصب للناخبين «غير الناشطين»، وقوانين هوية الناخب الصارمة، وإغلاق مراكز الاقتراع لزيادة صعوبة إدلاء الناخبين من الأقليات بأصواتهم.
من ناحية أخرى، تآكل دعم قيم الاتحاد الأوروبي المستنيرة. فالآن، وعلى نحو لا يخلو من المفارقة، تأسس تحالف كبير من الأحزاب القومية اليمينية لتحسين فرصها في الانتخابات البرلمانية الأوروبية في عام 2019.
وتكيل هذه القوى الانتقادات ضد «سياسات الهوية» (في حين تتحدث إلى الحشود ذات الأغلبية من ذوي البشرة البيضاء الذين يصرون على أنها الممثلة الحقيقية لأمتهم). وقد اكتسب هذا الخطاب قدرا كبيرا من التعاطف من قِبَل بعض المثقفين على اليسار واليمين. ويزعم كُتّاب مثل مارك ليلا وفرانسيس فوكوياما أن التعددية الثقافية والتعاون الدولي تبين أنهما وهم من خيالات النخب الليبرالية.
على نحو مماثل، حاول الفيلسوف البريطاني جون جراي، الذي دأب على شجب «الليبرالية المفرطة»، قلب التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ــ الذي يشكل تجسيدا واضحا لمعاداة المهاجرين وكراهية الأجانب ــ رأسا على عقب. إذ يزعم جراي إن الاتحاد الأوروبي كان مسؤولا عن صعود أسوأ أشكال القومية، من خلال الترويج لـ»حكومة عابرة للحدود الوطنية» لم يكن أغلب الأوروبيين راغبين فيها. وهو يصر على أن مقاومة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من شأنها أن تعيد «الماضي الأوروبي المظلم».
بعد قوانين مكافحة الإرهاب التي استنها رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير عقب التفجيرات الانتحارية المستلهمة من تنظيم القاعدة التي ضربت لندن في عام 2005، أصبح أول زعيم غربي يتبرأ من الليبرالية المفرطة المزعومة. واليوم، يمكننا أن نرى هذا الرفض في مختلف أنحاء العالَم الغربي، من إدارة ترامب و»عدم ليبرالية» رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان والزعيم البولندي بحكم الأمر الواقع ياروسواف كاتشينسكي إلى حكومة الائتلاف الشعبوية في إيطاليا.
الواقع أن القومية العِرقية التي تكرسها تشريعات مثل قانون الدولة القومية في إسرائيل كانت منذ أمد بعيد عنصرا ثابتا في سياسة أوروبا الوسطى والشرقية. وكانت أمور مثل الدم والدين، وليس المواطنة، هي التي عَرَّفَت الأمة خلال فترات الاستعباد والقهر. بعد الدمار الذي خلفته الحرب العالمية الثانية، استعادت دول عديدة في المنطقة سيادتها من خلال عمليات تطهير عِرقي واسعة النطاق.
وقد فشل التكامل الأوروبي في فترة ما بعد الحرب في إحياء حلم دول أوروبا الوسطى والشرقية المتعددة الأعراق في نهاية القرن. وبدلا من ذلك أعيدت أشباح كراهية الأجانب والقومية المفرطة إلى الحياة، والتي تمثلت في ألمانيا في الدعم المتزايد الذي ناله حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف، الذي يرفض التكفير عن الذنب في ألمانيا ما بعد الحرب.
وعلى هذا، فربما يتبين أن السياسات المستنيرة التي انتهجتها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في التعامل مع أزمة اللاجئين كانت آخر مظاهر سياسة الذنب الألمانية. على نحو مماثل، في النمسا ــ التي لم تعترف بالذنب في المقام الأول ــ يوشك ائتلاف المستشار سباستيان كورتز اليميني المتطرف المعادي للمهاجرين على إنهاء سياسة «إبادة الهوية» في الاتحاد الأوروبي.
كان المفترض أن تصبح أوروبا الغربية خالية من القومية العِرقية. فقد تشكلت الدول القومية الحديثة على أسس مدنية وليست عِرقية، وكانت الأمة معرفة بوصفها مجتمع من المواطنين. ولم يكن من المفترض قَط أن يشكل العِرق أو اللون أو الجنس عقبة تحول دون المشاركة المدنية الكاملة والمتكافئة.
أوروبا الغربية، فضلا عن على ذلك، علمانية إلى حد كبير، في حين يربط قسم كبير من أوروبا الوسطى والشرقية (ناهيك عن الولايات المتحدة) نفسه في الأرجح بنظام أخلاقي قائم على الدين. وفي ضوء هذه العوامل، في أوروبا الغربية، يشكل صعود القومية العِرقية الراديكالية كاستجابة للمخاوف من الإرهاب والهجرة الجماعية أزمة تحويلية أكثر جوهرية.
ويصدق هذا بشكل خاص في حالة القوى العظمى الأخلاقية تقليديا في شمال أوروبا. وكان صعود حزب الشعب الدنماركي اليميني المتطرف وحزب الديمقراطيين السويديين، اللذين تمتد جذورهما إلى الفاشية السويدية والحنين إلى السويد البيضاء الأسطورية في خمسينيات القرن العشرين، بمثابة ضربة مدمرة للنموذج الأكثر مثالية للديمقراطية الاجتماعية الذي تنتجه أوروبا على الإطلاق. ويزعم القوميون أن دولة الرفاهة الاجتماعية من غير الممكن أن تحل محل الهوية العِرقية.
تُظهِر دراسة حديثة منشورة في دورية «التحول الديمقراطي» أن المستوى الإجمالي من الليبرالية الديمقراطية في مختلف أنحاء العالَم الآن يضاهي ذلك المسجل بعد فترة وجيزة من انهيار الاتحاد السوفييتي في العام 1991. كان «الركود الديمقراطي»، كما أسماه فوكوياما، حاضرا، لكنه كان متركزا في المناطق الأكثر ديمقراطية في العالَم: أوروبا الغربية، وأمريكا الشمالية، وأمريكا اللاتينية والكاريبي، وأوروبا الشرقية.
ونظرا لأهمية هذه المناطق في دعم النظام العالَمي الليبرالي، فإن صعود القومية العِرقية (البيضاء) ينطوي على عواقب وخيمة محتملة. وما لم تبتكر هذه الدول طريقة جديدة لإيجاد التوازن بين قيم الديمقراطية الليبرالية وشغف الناس بحس الانتماء، فسوف تنتهي بها الحال إلى تمهيد الطريق إلى الكارثة.

وزير خارجية إسرائيل الأسبق، ونائب رئيس مركز توليدو الدولي للسلام حاليا، ومؤلف كتاب «ندوب الحرب وجراح السلام: المأساة الإسرائيلية العربية»