اندماج المصارف العربية.. والطريق إلى العولمة

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ١٢/نوفمبر/٢٠١٨ ٠٣:٠١ ص
اندماج المصارف العربية.. والطريق إلى العولمة

محمد محمود عثمان

تهدد العولمة عروش البنوك العربية العريقة، بعد أن اجتاح إعصار العولمة كافة مجالات الحياة، لذلك تسعى بعض البنوك وشركات التأمين إلى الاندماج على النطاق المحلي، وأصبح لا يمر يوم إلا ونسمع عن موجة من اتفاقيات حول الاندماجات الجديدة بين مصارف مختلفة، كانت هرما قائما بذاته وأصبحت بعد انتشار عصر العولمة صغيرة، لا يمكنها أن تصمد أو أن تستمر في المنافسة بمفردها.

لذلك تحاول أن تجد لنفسها موضع قدم في عالم الصرافة والبنوك وأسواق المال، وأن تستطيع فرض وجودها وكلمتها علي الساحة الاقتصادية، في ظل التوسع الكبير في التجارة البينية الدولية والتبادل الاقتصادي بين بلدان العالم، الأمر الذي يتطلب -في عصر التكتلات الاقتصادية العملاقة- وجود مصارف محلية تتمتع بقواعد رأسمالية ضخمة، وموارد مالية كبيرة واستعدادات تقنية متطورة، وخصوصا بعد أن تحررت البنوك من مفهومها التقليدي وأصبحت بنوكا شاملة تقوم بكافة الأعمال من تمويل وتجارة ومساهمة وإنشاء وإدارة واستشارات واستثمارات وغيرها من الخدمات المستحدثة التي تواكب التحولات الاقتصادية واحتياجات الزبائن والمستثمرين، ويمكن الدمج بين مصرفين أو أكثر بضم كافة مواردهما واتحادهما في وحدة واحدة، تحت مظلة كيان واحد له شخصية اعتبارية مستقلة.

ولكن نظرا إلى الصعوبات التي يمر بها التعاون والتنسيق الاقتصادي المصرفي فإن مجال الدمج في الدول العربية من الناحية العملية محصور داخل البلد الواحد، ولا يستطيع أن يعبر خارج الحدود، أو يمتد لأكثر من بلد عربي أو أجنبي؛ لاختلاف النُظم والقوانين، لذلك من الأيسر أن يتم الدمج بين مصرفين داخل البلد الواحد كمرحلة أولى ثم يفكر بعد ذلك في الدمج مع بنوك في بلدان أخرى، حتى يمكن مواجهة التحديات الاقتصادية الكبيرة، والتي تأتي في طليعتها التكتلات الاقتصادية العملاقة كالاتحاد الأوروبي واتحاد دول شمال أمريكا للتجارة الحرة (النافتا) والتكتل الآسيوي الباسيفيكي الاقتصادي، والتكتل المتوسطي بين الدول الأوروبية المطلة على البحر الأبيض المتوسط.
وخاصة أنه في المقابل نجد في الغرب وأمريكا اندماجات في الشركات والبنوك ومؤسسات التأمين العملاقة في إطار استراتيجياتها للسيطرة على قطاع الخدمات على المستوى العالمي، ما يصنع حالة من اختلال التوازن بين حجم الخدمات المقدمة من طرف الدول الغنية، وحجم الخدمات في الدول النامية، وتفاقم هذا الفارق بصفة مطردة لصالح الدول الصناعية الكبرى، بما يضعف السيادة الوطنية في مجال السياسة النقدية والمالية.
لأن الحجم الكبير للعمل والمخرجات والخدمات المصرفية التي تعرضها الاندماجات الكبرى من خلال الشركات العملاقة في الدول الغنية، تجعل الدول النامية غير قادرة على المنافسة مهما بذلت من جهد في الأفق المنظور، إذا لم تتحرك بسرعة بتشجيع الاندماجات بين الشركات والبنوك، واستيراد التقنيات حتى تستطيع مواكبة آخر المستحدثات في تكنولوجيا المصارف، وهو الأمر الذي لن يتأتى لمصرف بمفرده، وخصوصا في المنطقة العربية التي ما تزال أحجام المصارف بها صغيرة أو متوسطة، وتسهيل ذلك من خلال وضع التشريعات المرنة والمتطورة من خلال البنوك المركزية وأسواق المال، حتى تتواكب مع النُظم والقوانين العالمية، وأن نستفيد من اتفاقيات منظمة التجارة العالمية لتحرير الخدمات التي تقضي بمبدأ معاملة مقدم الخدمة الأجنبية بنفس المعاملة التي تمنح للمواطنين، وبذلك يمكن بنظرة مستقبلية أن تنطلق الشركات والبنوك العربية إلى العالمية.
ويمكن للجهات الحكومية أن تقدم الدعم الخارجي لهذه البنوك من خلال القنوات والعلاقات والاتصالات الدبلوماسية، لتسهيل اندماجها في الدول الأجنبية، لأن الوجود البنكي العربي في الخارج ضروري لتوطيد العلاقات الاقتصادية مع المجتمعات الأخرى، لاسيما أن الدول النامية تعتبر أن تحرير الاستثمارات وعولمة الأسواق المالية والبنوك، يمثل مخاطر جمة وأزمات مالية تنتج عن التقلبات الفجائية لرأس المال، بالإضافة إلى مخاطر هروب الأموال الوطنية للخارج، وكذلك مخاطر التحويلات عن طريق (غسيل الأموال) وهي مخاطر تدخل عبر آليات تحرير رأس المال المحلي والدولي، بدلا من أن يستفيد الآخرون من هذه الميزة عندما يأتون إلى بلادنا، من خلال الشركات متعددة الجنسيات، ونحن في وضع المستقبل السلبي، الأمر الذي يعرّض مصالحنا الاقتصادية الإستراتيجية إلى الخطر، حيث لا نتمكن من حماية المشروعات الوطنية؛ لأن المصارف الصغيرة تكاد تخدم متطلبات اقتصادها المحلي بصعوبة ولا تستطيع القيام بالخدمات المصرفية العالمية التي يتطلبها الاقتصاد، وهي مهمات تقوم بها المصارف الأجنبية الممتدة في جميع أنحاء البلدان العربية.

محمد محمود عثمان

mohmeedosman@yahoo.com