التأثير العالمي للركود الصيني

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ١٢/نوفمبر/٢٠١٨ ٠٣:٠٠ ص
التأثير العالمي للركود الصيني

كينيث روجوف

عندما تندلع أخيرا أزمة ركود لا مفر منها في الصين -التي من المؤكد أنها ستزداد جراء الأزمة المالية، نظرا للرفع المالي الشامل للاقتصاد- فكيف سيمكن لهذا أن يؤثر على بقية العالم؟ ونظرا للحرب التجارية التي يخوضها ترامب ضد الصين في وقت يتباطأ فيه النمو، فهذا سؤال يستحق الإجابة.

وتشير التقديرات، مثل تلك التي ورد فيها تقييم خطر البلاد الذي أصدره صندوق النقد الدولي، أن تباطؤا اقتصاديا في الصين سيؤذِي الجميع. لكن الضرر الأكبر، حسب صندوق النقد الدولي، سيكون أكثر تركيزا وتقييدا على المستوى الإقليمي مقارنة مع ما سيكون عليه الوضع إن تعرضت الولايات المتحدة الأمريكية لركود كبير. وللأسف، من المحتمل ألا يتحول هذا التخمين إلى حقيقية.

أولا، قد يكون التأثير على الأسواق الرأسمالية الدولية أكبر بكثير مما تقترحه مجموعة البنوك الرأس مالية الصينية. مع ذلك، فتضرر النمو الصيني قد يزيد الطين بلة. وصحيح أن الولايات المتحدة الأمريكية لا زالت أكبر مستورد للمنتوجات الموجهة للاستهلاك الأخير (جزء كبير من الواردات القادمة من الصين سلع وسيطة ينتهي بها المطاف إلى التصدير نحو الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا)، ورغم هذا، فلا زالت الشركات الأجنبية تستمتع بأرباح ضخمة التي تحققها في المبيعات في الصين.
إن المستثمرين اليوم مهتمون أيضا بارتفاع معدلات الفائدة، التي لا تعرقل فقط الاستهلاك والاستثمار، بل أيضا تقلص قيمة الشركات في السوق (خاصة الشركات التكنولوجية) التي تعتمد تقييماتها بشكل كبير على نمو الأرباح في المستقبل البعيد. وسيزيد الركود في الصين من سوء الأزمة من جديد.
إنني أقدر التفكير الكينزي الذي يقول إذا تباطأ الاقتصاد في أي مكان في العالم، فإن هذا سيؤدي إلى تراجع الطلب الكلي للعالم، وهذا من شأنه أن يضغط على معدلات الفائدة العالمية لتتراجع. وساهمت معدلات الادخار الآسيوية المرتفعة خلال العقدين الأخيرين من الزمن في تدني مستوى معدلات الفائدة الحقيقية بشكل كبير في كل من الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، بفضل كون الأسواق الرأسمالية الآسيوية المتخلفة، ببساطة، لا تستطيع امتصاص المدخرات الفائضة بشكل بناء.
ووصف رئيس مجلس المحافظين للنظام الاحتياطي الفيدرالي سابقا، بيت بيرنانك، هذه الظاهرة التي درست كثيرا على أنها مكون رئيسي لـ»تخمة الادخار العالمي». وبالتالي، فبدل أن يؤدي تباطؤ صيني سينتشر في آسيا، إلى هبوط معدلات الفائدة الحقيقية العالمية، قد ينتج عنه ارتفاع معدلات الفائدة في أماكن أخرى -خاصة إذا أدّت أزمة مالية آسيوية ثانية إلى ارتفاع معدل السحب من خط الائتمان في احتياطات البنوك المركزية. وبالتالي، بالنسبة للأسواق الرأسمالية العالمية، فمن السهل أن يتبيّن أن الركود الصيني مشكل مزدوجة.
وإذا كان بطء الصادرات إلى الصين سيئ إلى هذه الدرجة بالنسبة للعديد من الدول، فإن ارتفاعا كبيرا في معدلات الفائدة العالمية قد يكون أسوأ بكثير. ويستحق زعماء المنطقة الأوروبية، خاصة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، أكثر من التنويه الذي يحظون به لحفاظهم على تماسك العملة الوحيدة الضعيفة سياسيا واقتصاديا في وجه الاحتمالات الاقتصادية والسياسية المفاجئة. لكن مهمتهم كانت ستكون شبه مستحيلة إلا في ما يتعلق بمعدلات الفائدة العالمية المنخفضة جدا التي سمحت للمسؤولين الأوروبيين العاجزين سياسيا من تجنب تخفيض القيمة الدفترية لأصول الديون.
ومن المرجح أن تؤدي السياسات المُصممة لزيادة الواردات إلى زيادة الصادرات، بفضل المستوى المنخفض للديون والأثمان المرتفعة للسلع. واليوم، مع ذلك، ارتفع مستوى الديون إلى معدلات عالية، ويمكن للارتفاع الصارخ في معدلات الفائدة العالمية الحقيقية أن يؤدي إلى امتداد الأزمات المتفاقمة خارج بعض الدول التي تتعرض لها اليوم (بما في ذلك الأرجنتين وتركيا).
وليست الولايات المتحدة هي الأخرى محصنة. فحاليا، تستطيع الولايات المتحدة الأمريكية تمويل عجزها البالغ قيمته تريليون دولار بتكلفة منخفضة. لكن المدة قصيرة الأمد لاقتراضها -أربع سنوات- تعني أن ارتفاعا في معدلات الفائدة قد يؤدي بسرعة إلى خدمة الدين لتعويض النفقات الضرورية في المجالات الأخرى. وفي نفس الوقت، تهدد الحرب التجارية لترامب أيضا بإضعاف ديناميكية الاقتصاد الأمريكي. إذ تلحق عشوائيتها ودوافعها السياسية ضررا بالنمو الأمريكي كما تلحقه أيضا بالقوانين التي أزالها ترامب بافتخار. وينبغي أن يقلق بشأن هذا الأمر هؤلاء الذين يعتقدون أن مواقف ترامب من التجارة أغلبها ترويج لحملته.
والخبر السار هو أن المفاوضات التجارية غالبا ما تبدو عسيرة حتى الساعة الحادية عشرة. ويمكن للصين والولايات المتحدة الأمريكية الوصول إلى اتفاق قبل أن تخرج العقوبات الضريبية لترامب إلى حيّز التنفيذ في 1 يناير. ونأمل أن تعكس مثل هذه الاتفاقية، موقف الصين الناضج اتجاه حقوق الملكية الفكرية -على غرار ما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية في أواخر القرن التاسع عشر. (خلال السنوات التي عرفت فيها أمريكا معدلات نمو مرتفعة، قليلا جدا ما راودت رجال الأعمال الأمريكيين فكرة سرقة براءات الاختراع من المملكة المتحدة).
قد يشكّل الركود في الصين، الذي ازداد بسبب الأزمة المالية، طرفا ثالثا في السلسلة الممتازة للديون التي بدأت في الولايات المتحدة الأمريكية العام 2008 وانتقلت إلى أوروبا العام 2010. ولحد الساعة، قامت السلطات الصينية بعمل رائع لتجنب تباطؤ لا مفر منه. وللأسف، عندما يبدأ الركود، من المحتمل أن يكتشف العالم أن اقتصاد الصين أكثر أهمية مما كان يعتقده معظم الناس.

رئيس الخبراء الاقتصاديين سابقا لدى صندوق

النقد الدولي منصب أستاذ لعلوم الاقتصاد والسياسة العامة في جامعة هارفارد