أمريكا تدمر نفسها

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ٠٦/نوفمبر/٢٠١٨ ٠٤:٤١ ص
أمريكا تدمر نفسها

أندرو شين
ساو جين

قد تحظى الضرائب التجارية بالنصيب الأكبر من الاهتمام، لكن في الحقيقة الأمر، تشمل الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين مجالات متعددة، بما في ذلك معدلات الصرف، والتكنولوجيا والأنترنيت، بل حتى مجال الأسلحة. وهذا ليس مؤشرا إيجابيا بالنسبة لقدرة العالم على مواجهة التحديات المشتركة، بما في ذلك الهجرة وتغير المناخ.

وحسب بوب وودوورد، عميد صَحَفِيِّي واشنطن، فإن أسلوب عمل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو «تكثيف العدوان، لحجب الضعف القاتل». وبالفعل، عندما يتعلق الأمر بالصين، يراهن ترامب على أن النبرة العدائية، المعززة بالتهديدات الطائشة و المؤثرة، سَتُحَول انتباه الناخبين الأمريكيين من المشاكل المحلية الخطيرة قبل الانتخابات النصفية لشهر نوفمبر.

وبعد عقود من العولمة والتقدم التكنولوجي، أصبحت الدول متداخلة مع بعضها البعض أكثر مما سبق. وأصبحت القرارات السياسية تؤخذ في بلد له تأثير واسع المدى. وفي هذه الظروف، لا تستطيع أي دولة معالجة التحديات الرئيسية لاسيما تغير المناخ وتزايد اللامساواة والتكنولوجيا المزعجة لوحدها. ومع ذلك، وبالتحديد في وقت أصبح فيه العالم يحتاج للتعاون أكثر من أي وقت مضى، انسحبت الولايات المتحدة الأمريكية بشكل كبير من الساحة السياسة الدولية.
ومن المؤكد أنه رغم أن الولايات المتحدة الأمريكية تمارس المزيد من القيادة العالمية، فإن التحول القائم من عالم أحادي القطب إلى آخر متعدد الأقطاب سيستمر. وهذا التوجه ناتج جزئيا عن الديموغرافيا: الدول المتقدمة تشيخ بسرعة بينما آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية لديها ساكنة شابة تنمو بسرعة وتزيد ثراء، بفضل ديناميكيتها الكبيرة والتنافس الكبير على الموارد.
لكن ميول إدارة ترامب نحو العداوة والحمائية والاستراتيجيات القصيرة الأمد، تجعل الأمور أسوأ. فعلى سبيل المثال، لم تزد استراتيجية خفض الضرائب على الشركات والأثرياء من اللامساواة فقط داخل أمريكا، بل أدت أيضا إلى سباق عالمي من شأنه أن يضعف الاستدامة المالية ويزيد من اللامساواة عبر العالم.
ورغم أننا نفهم عدم رغبة الولايات المتحدة الأمريكية دفع فاتورة أمن حلفائها، فإن الأسلوب الأخرق لترامب في إقناع حلفائه في الناتو بالإنفاق أكثر على الدفاع ليس عاملا مساعدا. بل على العكس، فبالإضافة إلى إضعاف العلاقات مع الحلفاء المقربين لأمريكا، زادت استراتيجيات ترامب من التوتر مع روسيا، وبالتالي الزيادة في تكلفة ما يسميه الخبراء الاقتصاديون «الأسعار الوهمية» للأمن القومي.
ثم هناك بالطبع، السياسات التجارية لإدارة ترامب، التي ستفعل أكثر من» معاقبة» الصين. إذ ركزت سياسة إلغاء القيود على خفض تكاليف المعاملات في التجارة العالمية والاستثمار وتدفق المعلومات. ومن خلال منع الصين من الدخول إلى عالم التكنولوجيا، بحجة الأمن القومي، ترفع إدارة ترامب من قيمة هذه التكاليف ليس فقط على الصين، بل حتى على الدول الأخرى التي تحاول الاستعانة بالتجارة والتكنولوجيا للنهوض بالنمو والتنمية.
إن لجوء إدارة ترامب غير المنظم للعقوبات يزيد من حجم المشكل. إذ أصبح من الصعب تحديد سعر المعاملات مع الدول التي قد تكون صديقة يوما ما وتتحول إلى عدو في وقت لاحق. إذا بعد عقود من التفتح المتزايد والعولمة، أصبح العالم في طريقه نحو الانكسار. وهذا من شأنه أن يضعف التجارة العالمية بشكل كبير وبالتالي إضعاف إمكانيات نمو الاقتصادات، وفي نفس الوقت منع العالم من مواجهة التحديات المشتركة. وفي واقع الأمر، يمكنه أيضا أن يزيد من هذه التحديات: مثلا، من المحتمل أن يؤدي الدمار الإيكولوجي وندرة الموارد الناتجان عن تغير المناخ إلى الصراع وعدم الاستقرار، مما سيشجع على المزيد من الهجرة.
وقد يظن ترامب أن استراتيجيته مع الصين تنتهي في وضع «أمريكا أولا «. لكن سياساته لن تضر الصين فقط، بل حتى الولايات المتحدة الأمريكية، دون ذكر باقي دول العالم. والطريقة الوحيدة لتفادي انعكاسات سلبية على المستوى العالمي، هي تغيير مسار الأحداث، مع استرجاع التعاون مع الصين الذي يصب في مصلحة كلا الطرفين، خاصة أن الصين نشرت تقريرا حكوميا رسميا لدعم هذا الهدف بالضبط.
ويدرك القادة الصينيون أنه بعد عقود من العولمة، أصبحت الدول ملتفة كثيرا من خلال سلاسل التوريد وشبكات المعرفة، وبالتالي فهي لا تستطيع الانعزال عن غيرها من الدول. ويعلمون أيضا أنه من مصلحة الدول أن لا تحاول ذلك. بل يأملون الاستمرار في تعميق علاقاتهم مع المجتمع الدولي، ليس بصفتهم مزعجين، بل بصفتهم أصحاب مصالح مسؤولين وملتزمين بدعم الاستقرار العالمي. وينبغي على الولايات المتحدة الأمريكية القيام بنفس الشيء.

أندرو شين: زميل مميز في المعهد العالمي لآسيا في جامعة هونج كونج

ساو جين: رئيس مؤسسة هونج كونج للمالية الدولية