القضاء على العنصرية

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ٠٥/نوفمبر/٢٠١٨ ٠٤:٤٥ ص

مارسيلو سانشيز سوروندو

إن آفة الاتجار بالبشر قضية ينبغي على ممثلي كل الديانات أن يأخذوها بجدية. وأول ما قام به البابا فرانسيس عندما انتخب في مارس 2013 هو مراسلتي، بصفتي رئيسا للأكاديمية البابوية للعلوم (باس)، ملتمسا منا دراسة العبودية المعاصرة وحلولها.

وبعد مرور تسعة أشهر، اجتمع فرانسيس مع قادة الديانات من جميع أنحاء العام لإعلان أن الاتجار بالبشر وأعضائهم، والعمل القسري والدعارة، كلها جرائم ضد الإنسانية. وفي سبتمبر 2015، ردد زعماء العالم هذا الإعلان عندما اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالإجماع أهداف التنمية المستدامة- التي تضمنت هدفا يتجلى في وضع حد لهذه الممارسات.

ولهذه الأسباب وغيرها من الأسباب الأخرى، أصبح واجبا أخلاقيا أن تعمل دول العالم معا لتحقيق الأهداف التي حددها القادة السياسيون والدينيون. ونظرا لكون الملايين من الأشخاص لا زالوا يعانون من العبودية بأشكالها الجديدة، لم يعد هناك وقت لنضيعه.
إن التعسف بشتى أشكاله، سواء كان تعذيباً أو اغتصاباً أو زواجاً قسرياً أو أشغالاً شاقة – لا يسبب أضراراً جسدية فقط. بل من شأنه أن يؤثر على كيان الشخص، تاركا ندوبا في ثقته بنفسه وفي قدرته على الثقة بالآخرين، وقد تكون هذه الندوب أكثر ألما وعمقا.
ولامتصاص الطبيعة غير الأخلاقية لهذا النوع من «العنف المعنوي»، لنفكر في الأشخاص الذين يحبون ويقبلون ويؤيدون بعضهم البعض، ومدى أهمية هذا السلوك في وجودهم الفردي والجماعي. إن ضحايا الاتجار بالبشر لا يمكنهم أن يعيشوا هذه المواقف بسهولة، لأن الإهانة والإذلال اللذين عانوا منهما قد تدفعهم إلى الاعتقاد بأنهم ليسوا مهمين، أو أنهم ملكية لشخص آخر. وهذا ما يجعلهم غير قادرين على تقديم الدعم والتأييد اللازمين للصداقة، أو الحصول عليهما. وهذا النقص يشمل أيضا عدم حضور الضحايا حفلات الزفاف والاجتماعات العائلية.
إن رسالة الأنبياء التي تدعو إلى الأخوة، بالإضافة إلى الحركة المناهضة للعنصرية التي بدأت في نهاية القرن الثامن عشر، أدتا في الأخير إلى القضاء على الاسترقاق القانوني للبشر في جميع أنحاء العالم. وألغت المعاهدات الدولية – لاسيما اتفاقية العبودية لعام 1926 – شرعية العبودية بشتى أشكالها. ومع ذلك، فالعبودية لا زالت قائمة، متنكرة بأسماء جديدة، لكنها أقل إثارة للانتباه والغضب من الخروقات السابقة للحريات المدنية. ورغم أن حقوق الإنسان أصبحت ميزة الفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، لا زال ضحايا العبودية الحديثة يعانون.
إن المشاعر السلبية قد تكون إيجابية بالنسبة للجهود المبذولة من أجل الحيلولة دون حدوث إقصاء اجتماعي. فمشاعر السخط قد تضعفنا، لكنها قد تشجعنا على العمل. وعندما يلاحظ الناس التناقض غير المقبول بين ما يتوقعونه فيما يخص حقوق الإنسان، وما يعانيه ضحايا العبودية الحديثة بالفعل، يصبح من الصعب أكثر تجاهل التوزيع غير العادل للكرامة في مجتمعاتنا. وبمجرد التزامنا بالعمل المتحد على المستوى العالمي- كما حث على ذلك المنشور البابوي الشامل لفرانسيس، لوداتو سي- سيصبح القضاء على العبودية أمرا ممكنا.
ولضمان الكرامة والحرية والمشاركة الاجتماعية لكل شخص، يتعين على قادة العالم العمل من أجل إحداث تغيير في المجالات السياسية والدينية والثقافية. وحددت الأكاديمية البابوية للعلوم مجالين يحتاجان اهتماماً خاصاً.
أولا، لتقديم دعم ناجع للضحايا، ينبغي على العالم الانتقال من الحوار بين الأديان إلى العمل الجماعي. ورغم أن المتدينين لا يمكنهم الصلاة في نفس الكنيسة دائما، فإن ديانات العالم يمكنها، بل ينبغي عليها أن تعمل بانسجام للنهوض بكرامة البشر والدفاع عن الحريات العالمية وتقديم الدعم لمن هم في حاجة إلى المساعدة.
ثانيا، ينبغي على القادة في جميع القطاعات الرفع من مستوى الوعي بالعبودية الحديثة، والعمل بجد لتطبيق الحلول. ويتعين على رجال القانون- بما في ذلك، رجال الشرطة والمدعين والقضاة- أن يجعلوا من ظاهرة الاتجار بالبشر أولوية في قضايا العدالة الجنائية. كما يتوجب على المسؤولين المحليين، لاسيما العمدات، المشاركة أكثر في حل المشكل. أما الحكومات القومية والإقليمية فهي مطالبة بإحداث تغييرات سياسية من الأعلى. والأهم من ذلك، ينبغي أن تُنَسَّق كل هذه الجهود للتأكد من أن الضحايا لا يعاملون أبدا وكأنهم مجرمون.
عندما التقى فرانسيس مع القادة في أكاديمية البابوية للعلوم لمناقشة ظاهرة الاتجار بالبشر في أبريل 2014، وصف هذه القضية بأنها «جرح في جسم المجتمع المعاصر لم تَضمَد بعد، ووباء في جسد المسيح.» وهذا ما كان يعتقده مؤيدو القضاء على العنصرية في الماضي أيضا، وقرار الاستمرار في العمل الذي بدأه كل جيل يعود لهذا الأخير. وكما أشار إلى ذلك تالمود: «لستَ مجبرا على إتمام مهمتك، لكنك لست حرا في التخلي عنها».

مستشار للأكاديمية البابوية للعلوم ومستشار الأكاديمية البابوية للعلوم الاجتماعية