
محمد محفوظ العارضي
رغم عدم إمكانية الجزم بأن الاقتصاد العالمي تعافى تماماً من آثار الأزمة المالية العالمية في الذكرى السنوية العاشرة لاندلاعها، إلا أن الدروس المستفادة ساهمت إلى حد بعيد في تغيير المشهد الاقتصادي خصوصاً في ما يخص الأطر التنظيمية للقطاع المالي العالمي الذي أصبح أكثر متانة، إلا أنه لم يخضع بعد لاختبارات قوية تقيس مدى صلابته في مواجهة أزمات مثيلة.
وفي هذا السياق، لا يختلف المشهد الإقليمي كثيراً عن نظيره العالمي، خصوصاً مع لجوء عدد من الدول الخليجية والعربية إلى اعتماد تشريعات وأطر تنظيمية تدعم الاستقرار المالي وتتحوط من الفقاعات العقارية والأموال الساخنة في أسواق الأسهم، بالإضافة إلى خطط التنوع الاقتصادي الهادفة إلى الخروج من عباءة اقتصاد النفط بكل تذبذباته وتأثيراته السلبية على النمو المستدام للأنشطة الاقتصادية الأخرى ذات القدرات التشغيلية الأعلى للقوى العاملة والباحثين عن وظائف.
ولكن بعض اقتصادات المنطقة العربية لم تستعد بعد قدرتها على تسجيل نفس معدلات النمو المرتفعة كما كان الحال في سنوات ما قبل الأزمة التي اندلعت في نهاية 2008، كما أن بعضها يواجه تحديات في استمرار مواكبة التوجه العالمي نحو رفع أسعار الفائدة، خصوصاً البنوك المركزية الإقليمية التي تربط عملاتها المحلية بالدولار الأمريكي، في ظل تعطش قطاعات اقتصادية عديدة إلى السيولة والتمويل المصرفي منخفض التكلفة والضروري للتوسع اللازم لتسجيل معدلات نمو مقبولة.
وعالمياً، حدث بعض الارتفاع في المخاطر التي تواجه الاستقرار المالي على المدى القريب، لكن الأوضاع المالية ما تزال جيدة وداعمة للنمو بوجه عام في المدى القصير. ومع ذلك، فمن غير المستبعد أن تشهد المخاطر ارتفاعاً إذا استمرت الضغوط في التصاعد على اقتصادات الأسواق الناشئة أو احتدمت التوترات التجارية التي ظهرت على السطح في الآونة الأخيرة.
ومنذ مطلع العام الجاري، لوحظ ازدياد التباعد بين الاقتصادات المتقدمة ونظيرتها في الأسواق الصاعدة. وما يزال التوسع الاقتصادي العالمي مستمراً، وهو ما يتيح فرصة لتقوية الميزانيات العمومية وإعادة بناء هوامش الأمان، ولكن يبدو أن النمو بلغ مستوى الذروة في بعض الاقتصادات الكبرى، وهو ما يثير بعض المخاوف لدى قطاع غير قليل من خبراء الاقتصاد.
وفي المقابل، ورغم تحسن أساسيات الاقتصاد العالمي في السنوات القليلة الفائتة، فما تزال اقتصادات الأسواق الصاعدة -الأقل استفادةً من هذا التحسن العالمي- معرضة لتداعيات عودة الاقتصادات المتقدمة إلى سياستها النقدية المعتادة، ويمكن أن تواجه تراجعاً في التدفقات الرأسمالية الداخلة إليها، خصوصاً مع تصاعد أسعار الفائدة في الولايات المتحدة وارتفاع سعر الدولار الأمريكي، بالإضافة إلى تزايد التوترات التجارية، ولهذا فمن غير المستبعد، في ظل تزايد القلق بشأن صلابة الأسواق الصاعدة ومصداقية سياساتها، خروج المزيد من التدفقات الرأسمالية من هذه الأسواق وربما زيادة العزوف عن المخاطرة على مستوى العالم. ويمكن أن يؤدي تصاعد التوترات التجارية على نطاق أوسع إلى تقويض ثقة المستثمرين، مما يلحق الضرر بالتوسع الاقتصادي العالمي. ومن شأن أجواء عدم اليقين المحيطة بالأوضاع السياسية العالمية (مثل احتمال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق محدد أو عودة المخاوف بشأن سياسة المالية العامة في بعض بلدان منطقة اليورو المثقلة بالديون) أن تؤثر سلباً على مزاج السوق وتفضي إلى ارتفاع حاد في درجة تجنب المخاطر، كما أنه في ظل ارتفاع التضخم، ربما تعجل البنوك المركزية بمواصلة سياسات رفع أسعار الفائدة، ما قد يؤدي إلى تضييق مفاجئ للأوضاع المالية العالمية، وفقاً لتوقعات صندوق النقد الدولي الذي يرى أن هناك تراخياً من جانب أطراف عديدة حيال مخاطر التضييق الحاد للأوضاع المالية العالمية.
ولا شك أن العالم استفاد كثيراً طوال السنوات العشر الفائتة من دروس الأزمة القاسية التي فرضت إجراء إصلاح شاملٍ في بنية التنظيم المالي العالمي، فتم وضع معايير وأدوات وممارسات جديدة وبدأ تطبيقها عبر بلدان العالم، والمؤكد أن تقدماً كبيراً قد تحقق في إصلاح منظومة القواعد المالية العالمية بعد مرور عقد كامل على الأزمة، مع اعتماد معايير جديدة ساهمت في تعزيز صلابة النظام المالي الذي قَلَّ اعتماده على الرفع المالي، وزادت سيولته، وأصبح خاضعاً لرقابة أفضل. ومن النجاحات الأساسية في هذا الصدد، تنفيذ اتفاقية بازل 3 المعنية برأس المال والسيولة واعتماد اختبارات تحمل الضغوط على نطاق واسع في القطاع المصرفي، وهو ما نجحت فيه بشكل جيد معظم دول المنطقة العربية التي سجلت تقدماً ملحوظاً في استحداث آليات مختصة بالسلامة الاحترازية وفي احتواء المخاطر التي تواجه النظام المالي، بالإضافة إلى تكثيف الرقابة المصرفية، وخاصة في البنوك الكبرى، وتحسين نظم تسوية أوضاع البنوك المتعثرة.
ورغم التسليم بجودة ما تم اتخاذه من إجراءات لمعالجة آثار الأزمة، إلا أنه من الضروري استمرار العمل بشكل استباقي للبحث عن مواطن الخلل المحتملة، واستحداث تشريعات وقواعد تنظيمية لتعزيز نمو المجالات والأنشطة الاقتصادية الجديدة مثل التكنولوجيا المالية والأمن الإلكتروني وغيرهما لتجنب احتمال ظهور أزمات مثيلة، أو على الأقل خفض آثارها السلبية إلى الحد الأقصى.
وإقليمياً، أصبح الاستمرار في سياسات التنوع الاقتصادي وجهود الخروج من عباءة النفط خياراً مثالياً مع ضرورة زيادة التوجه صوب اقتصاد المعرفة وما يتطلبه ذلك من استثمار طويل الأجل في التعليم والكوادر البشرية باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لتحقيق التنمية المستدامة بما يضمن التحوط ضد المخاطر المحتملة لأية أزمات مثيلة في المستقبل.