
محمد محمود عثمان
mohmeedosman@yahoo.com
إنشاء مركز للتحكيم التجاري بالسلطنة تابع لغرفة تجارة وصناعة عمان، والذي يتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، يمثل خطوة مهمة على طريق تعزيز دور القطاع الخاص في عملية التنمية الشاملة؛ نظرا لأهمية التحكيم التجاري في حسم المنازعات التجارية بين الشركات والمؤسسات والمستثمرين، وقد طالبت به الإدارات السابقة للغرفة، الأمر الذي يعزز من ثقة المستثمرين الأجانب وأصحاب الأعمال، وكل المتعاملين في قطاعي التجارة والاستثماري، بما يساهم بقوة في استقطاب المزيد من الاستثمارات وجذب رؤوس الأموال المحلية والإقليمية والعالمية التي ستسهم بدورها في تحقيق النمو الاقتصادي والاجتماعي، بعد أن أصبح التحكيم من أهم وسائل فض المنازعات في العلاقات التجارية حتى بين الدول، للتخلص من بطء التقاضي، وخروجا من الأنماط التقليدية لفض المنازعات، في ظل النقص في عدد المحاكم التجارية المتخصصة، وفي ظل الكمّ الهائل من القضايا المتأخرة في أروقة التقاضي، وعمليات التحايل لتعطيل النظر في القضايا -بالاستفادة من بعض الثغرات في قوانين الإجراءات والمرافعات من قبل البعض، وخاصة مع وجود بعض المتمكنين والعالمين بالثغرات القانونية من القانونيين والمحامين الذين يجيدون هذه المهارة لأسباب تتعلق بهم أو بأطراف النزاع، لاسيما أن التحكيم يتميز بالسرعة في الإجراءات وسرعة البت في المنازعات التي تعرض عليه والتي تستغرق وقتا قصيرا، قياسا على القضاء العادي وكذلك يتميز التحكيم بسرية الجلسات التي تحافظ على محتوى المداولات وما تتضمنه من معلومات وبيانات قد تؤثر على وضع المتقاضين وعلى مراكزهم المالية والاقتصادية، وعلى قدرتهم على المنافسة، إذا علم بها الآخرون، حيث إن المتعاملين بالتجارة سواء الداخلية أو الدولية يفضلون عدم معرفة المنازعات الناشئة بينهم وأسبابها، حتى لا يؤثر ذلك على سمعتهم ومكانتهم في الأسواق المالية والاقتصادية، بالإضافة إلى تمتع الأطراف المتنازعة في ظل قضاء التحكيم بهامش كبير من الحرية في اختيار نوع التحكيم ومكانه والقانون الذي يطبقه المحكمون وإجراءات التحكيم وتحديد المدة التي يتعيّن أن تنتهي فيها المنازعة، وذلك على عكس القضاء العادي القائم على مبدأ علنية الجلسات، ومن هنا علينا من خلال غرفة تجارة وصناعة عمان -التي أصبحت الكرة في ملعبها الآن بعد صدور المرسوم السلطاني بإنشاء المركز- الترويج لهذا المركز في مجتمع المال والأعمال وبين مؤسسات وشركات القطاعين الخاص والعام، والتعريف بالمزايا التي يقدمها هذا النوع من القضاء خلافا عن القضاء العادي، كذلك التعريف بطريقة وآليات عمله من خلال المحاضرات والندوات التي توضح ذلك عمليا، وضرورة أن تشتمل العقود في أحد بنودها على بند اللجوء إلى التحكيم لحل المنازعات بعد موافقة الطرفين، وذلك في كل العقود التي تبرم بين الأفراد والمؤسسات أو حتى التي تبرمها الدولة على مستوى الدول الأخرى ومع الأشخاص سواء الوطنية أو الأجنبية؛ نظرا لتعدد وتشعب العلاقات التجارية والاقتصادية على مستوى العالم، من هنا يبدأ دور غرفة تجارة وصناعة عمان في سرعة تنفيذ المرسوم السلطاني واختيار الكفاءات والخبرات والكوادر العمانية المتمرسة والقادرة على إدارة مركز التحكيم التجاري.
وعلى الجانب الآخر من الضروري اتخاذ الإجراءات اللازمة لتأسيس وتأثيث مركز عمان للتحكيم التجاري، خاصة أن عُمان دائما تبدأ من حيث انتهى الآخرون، وهذا يعني وضع نظام أساسي نموذجي، واعتماد أنظمة المركز المالية والإدارية، مع وضع لائحة تنفيذية جيدة تتمتع بالمرونة التي تؤهل المركز للتفاعل الإيجابي، ومواكبة كل المستجدات والمتغيّرات التي يشهدها العالم في التعاملات التجارية والاقتصادية المتنامية والمتطورة، ووجود أنواع مختلفة من الشراكات التجارية والصناعية التي تتغيّر وتتجدد مع الاختراعات والابتكارات الجديدة، ومع حقوق المؤلف والملكية الفكرية، والفضاءات المفتوحة، خاصة أن مركز عُمان للتحكيم التجاري هو الأول من نوعه في دول مجلس التعاون الخليجي، باعتباره أداة للثقة والطمأنينة في مجال المعاملات المالية في السلطنة، وذلك بعد إنشاء مركز التحكيم التجاري لدول مجلس التعاون الذي تمت المصادقة عليه خلال القمة الرابعة عشرة بالرياض في ديسمبر 1993، وتم اختيار مملكة البحرين مقرا له، بعد أن أصبح التحكيم أهم وسائل حل المنازعات ومطلبا أساسيا للباحثين عن الاستثمارات الجديدة في الأسواق الناشئة في إطار العلاقات التجارية الدولية المعاصرة.