
كريستوفر ر. هِل
«إن الجنون هو أن يفعل المرء الشيء نفسه ويتوقع نتيجة مختلفة في كل مرة يقوم بها بنفس الأمر». يبدو أن هذه الحكمة لألبرت أينشتاين هي مصدر اٍلهام سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في كوريا الشمالية. يتمثل نهج ترامب في رفض كل الاستراتيجيات السابقة، لكنه منخرط في المفاوضات بشكل غير مسبوق. ونتيجة لذلك، تقلص دور وزير الخارجية الأمريكي إلى مساعد ثانوي في اجتماعات قمة رئيسه مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون. لكن السؤال هو ما إذا كانت لإستراتيجية ترامب الفريدة تجاه كوريا الشمالية أية نتائج إيجابية. حتى الآن، ليس هناك ما يدل على أن موقف كوريا الشمالية قد تغير. ولكن في الوقت الذي ستعقد فيه قمة أخرى بين ترامب وكيم في الأشهر القليلة المقبلة، قد يكون لدينا فهم أوضح لهذه القضية مستقبلا.
يزعم ترامب أنه أتقن فن التفاوض النووي - إن لم يكن تفاصيل المفاوضات، فعلى الأقل جوهرها الأساسي. في شهر مارس، قطع لقاء بين مستشار الأمن القومي آنذاك اتش آر. ماكماستر، ليعلن عن سعادته للقاء كيم جونغ أون. وقد تبع منذ ذلك الحين أسلوبه الخاص، وكان يدعي دائما أنه قام بإحراز تقدم ملحوظ. بعد عقد أول قمة له مع كيم جونغ أون في يونيو الماضي، أعلن أن «كوريا الشمالية لم تعد تشكل تهديدًا نوويًا».
في الواقع، لم يتم إحراز أي تقدم ملحوظ في مجال نزع السلاح النووي. في منتصف ديسمبر 2017، أعلن كيم أن بلاده قد أكملت برنامج اختبار الصواريخ، مما يُثبت أن أحدث صواريخ هواسونغ العابرة للقارات جاهزة للانطلاق. كما ادعى أنه طور رأسًا حربيًا نوويًا قادرًا على تحمل المرحلة النهائية لإطلاق الصاروخ، على الرغم من أن الخبراء أشاروا إلى أنه لا يوجد حتى الآن أي دليل يُثبت ذلك. من خلال الإدلاء بهذه التصريحات، ربما كان كيم يشير إلى أنه مستعد لإنهاء نظام العقوبات - ممارسة أقصى قدر ممكن من الضغط - لإدارة ترامب من خلال وسائل غير عسكرية. وربما كان يرغب في أن تؤخذ تصريحاته على محمل الجد، وذلك ليُخبر العالم أن كوريا الشمالية طورت الأسلحة النووية والوسائل اللازمة لإطلاقها. رغم هذه التفسيرات المحتملة المختلفة، اعتبرت إدارة ترامب تصريحات كيم بمثابة علامة مؤكدة على استعداد كوريا الشمالية لنزع السلاح. ويبدو أن هذه القفزة المنطقية كسبت المزيد من المصداقية في القمة التي انعقدت في يونيو، حيث أعاد كيم التأكيد على التزامه بنزع السلاح النووي في شبه الجزيرة الكورية.
لكن جُل ما حصلت عليه الولايات المتحدة في هذه القمة كان بيانا مشتركا مُبهما. في المقابل، حقق الكوريون الشماليون تقدما ملحوظا في إضعاف وجود الولايات المتحدة في شمال شرق آسيا. لقد أبدى ترامب فجأة تأييده لانسحاب القوات الأمريكية من شبه الجزيرة الكورية. وقام بعد ذلك بإلغاء المناورات العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية.
في هذه الأثناء، قامت كوريا الشمالية بعملية إخلاء عشوائية عن طريق إغلاق مواقع التجارب النووية التي لم تطالب الولايات المتحدة فعليًا بإغلاقها. وعلى الرغم من أن هذا النهج المتعلق بنزع الأسلحة النووية يُعطي انطباعا جيدا، إلا أنه ليس عملا منظما لتحديد وتفكيك العناصر الأساسية للبرنامج النووي للبلاد. في الوقت نفسه، يُؤكد الكوريون الشماليون على أن ترسانتهم النووية هي رد دفاعي على السياسات الأمريكية «العدائية». بعبارة أخرى، إذا سحبت الولايات المتحدة قواتها من شبه الجزيرة الكورية، يمكن تحقيق هدف نزع السلاح النووي.
ومما يزيد الأمور تعقيدا، تُصر حكومة الرئيس الكوري الجنوبي مون جاي-إن أن الحوافز القوية والتكامل الأعمق هما أكثر فعالية لتحقيق هدف نزع السلاح النووي من فرض العقوبات. على سبيل المثال، في محادثاتها المتوازية المستمرة مع كوريا الشمالية، قامت بفصل الدبلوماسية بين الكوريتين عن القضية النووية.
ومع ذلك، واصلت كوريا الجنوبية العمل كوسيط بين الولايات المتحدة ونظام كيم. عندما تواجه المحادثات بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية مشكلة ما، يتدخل مون لحلها، غالباً من خلال إهداء باقات من الورود لكل من كيم وترامب كتشجيع للاستمرار في المفاوضات. على الرغم من أن الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لا تزالان تحتفظان بعلاقات وثيقة، فمن المحتمل أن تحاول كوريا الشمالية خلق توتر بين الطرفين من خلال الإدلاء بتصريحات مختلفة لكل منهما.
من جانبها، نجحت إدارة ترامب في الحفاظ على التحالف بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية. وحتى يومنا هذا، يلوم العديد من الكوريين الولايات المتحدة والقوى الخارجية الأخرى على الانقسام المأساوي في كوريا، وكانت إدارة ترامب حريصة على عدم انتقاد الحوار بين الكوريتين بشكل علني. ومع ذلك، من الواضح أن المحادثات بين الكوريتين تجعل من الصعب بشكل متزايد ممارسة الضغط على كوريا الشمالية، حيث بدأت كوريا الجنوبية الآن بالبحث عن إمكانية تخفيف العقوبات.
آخر فاعل في المنطقة هو الصين، ولا يبدو أنها تعرف ما يجب القيام به في عملية نزع السلاح النووي في كوريا الشمالية. أدى قرار الصين بمعاقبة كوريا الجنوبية على نشر نظام دفاع صاروخي أمريكي إلى تقويض مكانتها بين الشعب الكوري الجنوبي وإضعاف قدرتها على التأثير في سياسات كوريا الجنوبية. لكن في الأشهر التي سبقت القمة بين ترامب وكيم في سنغافورة، استضافت الصين كيم مرتين من أجل إعادة تأكيد نفوذها على الشمال.
تماشياً مع جهوده للتخلص من أسلافه، يعتقد ترامب أنه من الأسهل العمل ضد الصين بدلاً من العمل معها. سيتم اختبار هذا الادعاء في الأسابيع والأشهر المقبلة.
مساعد وزير الخارجية الأمريكي الأسبق لشؤون شرق آسيا، وعميد كلية كوربل للدراسات الدولية في جامعة دنفر.