وصفة عدم النمو البائسة

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ٢٢/أكتوبر/٢٠١٨ ٠٨:٢٦ ص
وصفة عدم النمو البائسة

بيورن لومبورج

لقد أعلن حوالي 240 أكاديمياً من بروجهم العاجية، أن النمو الاقتصادي سيئ لأوروبا وللكوكب وخلال شهرين عقد هؤلاء وغيرهم من المناصرين العالميين «لاقتصاد عدم النمو» مؤتمرات في مكسيكو سيتي ومالمو وبروكسل، علماً أن جهودهم تؤذن بالعودة إلى شكل سابق وغير صحيح تماما من العمل البيئي، الذي يرتكز على إثارة المخاوف، وهو منفصل عن الواقع وينم عن عدم الاحترام لبليونات الناس حول العالم. يدعي النشطاء أنه يتوجب علينا وقف النمو الاقتصادي، لأن الكوكب يتجاوز الحدود البيئية بالإضافة إلى الزيادة في انعدام المساواة بين البشر.

لكن بالنسبة للقضايا البيئية الأهم، عمل النمو الاقتصادي على حل المشاكل وليس خلقها، إن أنظف الأماكن لا توجد في الدول الأفقر، بل في الاقتصادات الأغنى والتي عملت على تغيير سلوكها نحو الأفضل، وبينما تصبح المجتمعات أغنى فإن بإمكان الأفراد التوقف عن القلق بالنسبة للطعام والصرف الصحي والبدء بالقلق على الوضع البيئي.

إن التلوث الهوائي الداخلي، هو أكبر قاتل بيئي في العالم حيث يموت الناس نظرا لإن الفقراء يحرقون روث الحيوانات والخشب من أجل الطهي والتدفئة، وبينما تصبح المجتمعات غنيه، فإن الناس يصبحون قادرين على الحصول على طاقة أنظف وفي سنة 1990 تسبب التلوث الهوائي الداخلي في أكثر من 8 % من الوفيات وفي سنة 2016 وصلت النسبة إلى 4.7 % وفي كل سنة يموت 1،2 مليون شخص أقل من تلوث الهواء الداخلي على الرغم من الزيادة في عدد السكان.
إن التلوث الهوائي الخارجي يسوء، بينما تخرج المجتمعات من براثن الفقر المدقع لأول مرة ولكن هذا التلوث يقل بشكل ملحوظ في حين يؤثر النمو والتغير التقني والتوجهات العامة على السياسات والأنظمة، وفي الصين على سبيل المثال فإن انبعثات ثاني أكسيد الكبريت وصلت الذروة سنة 2006 وهي في انخفاض منذ ذلك الحين.
إ
بالإضافة إلى ذلك، فإن النمو الاقتصادي يحسن إمكانية الوصول للأشياء الحيوية التي يريدها أو يطالب بها معظم الناس على هذا الكوكب مثل، الصحة والتعليم والأمن وإمكانية التنقل، علماً أنه تزداد نسبة الرضا عن الحياة والدخل بين الدول وداخل تلك الدول كذلك.

لقد شهدت الولايات المتحدة زيادة واضحة في انعدام المساواة، حيث كانت نسبة 1 % الأعلى من السكان يكسبون 18 % من الدخل سنة 1913 وهذه النسبة انخفضت إلى 10،4 % سنة 1976 وعادت لتصبح 20 % سنة 2014، ولكن التجربة تختلف بشكل كبير في معظم أرجاء العالم بما في ذلك أوروبا القارية واليابان، حيث أن نسبة 1 % الأعلى تكسب حوالي نصف ما كانت تكسبه قبل 100 عام. إن انعدام المساواة في انخفاض عالميا، وذلك نظرا لأن أعداد أكبر من الناس في الدول النامية قد خرجوا من براثن الفقر.

إن الدخل ليس المؤشر الوحيد فيما يتعلق بتراجع حالة انعدام المساواة، فنصف مكتسبات الرعاية التي حصلنا عليها من سنة 1960 إلى 2000 جاءت نتيجة لتمكن الناس من عيش حياة أطول وأكثر صحة، لقد تم تضييق الفجوة بالنسبة للعمر المتوقع في الخمسين سنة الماضية بين الدول الأغنى والدول الأفقر من 28 سنة الى 19 سنة، وكنتيجة لذلك فإن انعدام المساواة لفترة الحياة هو أقل من ما كان عليه خلال قرنين من الزمان. إن التجارة العالمية، والنمو الاقتصادي قد غيرت من حياة الناس بشكل لم يكن يتصوره أحد، في الماضي فقبل قرنين من الزمان كان حوالي 94% من الناس يعيشون في فقر مدقع، وفي سنة 2015 وجد البنك الدولي لأول مره أقل من 10% من سكان العالم يعيشون في فقر مدقع وبين سنة 1990 واليوم فإن عدد الناس الذين يعيشون في فقر مدفع انخفض بما يزيد عن بليون إنسان. إن هذا يتناقض مع لجنة الحكومات التابعة للأمم المتحدة والمختصة بالتغير المناخي والتي تقول:» بالنسبة لمعظم قطاعات الاقتصاد فإن تأثير التغير المناخي سيكون محدودا مقارنة بتأثير العوامل الأخرى مثل التغيرات في السكان والعمر والدخل والتقنية.
طبقا للجنة الحكومات التابعة للأمم المتحدة، والمختصة بالتغير المناخي، فإن إجمالي تأثير التغير المناخي يصل لحوالي صفر بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي اليوم وفي سنة 2100 سيكلف 2-4% من الناتج المحلي الإجمالي.
إن هذه مشكلة ولكنها ليست مشكلة تبرر حرمان الناس من فرصة انتشال أنفسهم من براثن الفقر. إن حل التغير المناخي –مثل الكثير من التحديات الأخرى – سيأتي من التقنية فنحن بحاجة لبذل المزيد من الجهود لجعل الطاقة الخضراء أرخص وأكثر فعالية مقارنة بالوقود الأحفوري، وذلك حتى يتسنى لنا الاستمرار في انتشال الملايين من براثن الفقر بدون انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.
إن هؤلاء الأكاديميين يعتمدون على التحليل الخاطئ، والمخاوف غير المبررة من أجل إقناعنا بأن تخفيض الاحتباس الحراري بشكل محدود يتطلب إنهاء النمو الذي يمكنه انتشال مئات الملايين من براثن الفقر وتجنب ملايين الوفيات المرتبطة بالتلوث وإعطاء المليارات من الناس فرصة أن يعيشوا حياة أفضل وذلك من خلال تحسين الرعاية الصحية والمأوى والتعليم والدخل.
إن هناك شيئا مقلقا للغاية بالنسبة للأكاديميين الذين يطلبون من الآخرين التخلي عن الفوائد التي يتمتعون بها فالذي يحتاجه العالم فعليا هو نمو أكبر ونفاق أقل.

مدير مركز إجماع كوبنهاجن وأستاذ زائر في كلية كوبنهاجن لإدارة الأعمال.