
فريد أحمد حسن
الحقيقة التي ينبغي ألا تغيب عن الجميع هي أن الأوضاع في المنطقة لا تحتمل التطرف والتعصب والعنصرية والطائفية والعنف وما إلى ذلك، والأمر الذي يجمع عليه الجميع في هذا الخصوص هو أن الدواء يكمن في التعايش والتسامح والتعددية، ولكن لأن هذا الدواء لا يزال غير مستعمل بالشكل الموصوف من قبل الغالبية لذا تحصل تلك الأمراض على الحاضنة المناسبة فلا تغادر المنطقة وتسبب لها ولسكانها بل وللعالم أجمع أذى كثيرا.
في الماضي كانوا يقولون إذا عرف الداء عرف الدواء وصار سهلا التخلص منه، واليوم أيضا يقولون الشيء نفسه، لكن في خصوص هذا الداء الذي تعاني منه المنطقة لا يعمد المعنيون به إلى الإفلات منه بالدواء الموصوف، لهذا فإن الأوضاع تبقى على حالها وتتفاقم ويحصل مريدو السوء على اختلافهم على الفرص التي يتمنونها فيزداد التطرف حتى ليبدو أمرا طبيعيا، ويزداد التعصب إلى الرأي والقبيلة والدين والمذهب والفكر وإلى كل شيء، ويتخلق الكثيرون بالعنصرية ويتحولون إلى طائفيين ويتخذون العنف سبيلا ووسيلة للتعبير عن حالة التخلف التي صاروا فيها.
الدول التي شخصت هذا الداء جيدا وعمدت إلى العلاج الموصوف وحافظت على أخذه حسب المواعيد أفلحت وفلتت منه فخلت من كل سلوك سالب يمكن أن يفضي إلى أذى للمجتمع وللوطن، أما الدول التي شخصت الداء جيدا ولكنها لم تهتم بالعلاج أو عمدت إليه ولكنها لم تلتزم بما يجب أن تلتزم به كي تبرأ من الداء فظلت تعاني منه وتزداد معاناتها. المشكلة الأكبر هي في أن تحصين الدولة نفسها من هذا الداء لا يعني بالضرورة إفلاتها منه طالما أن الدول الأخرى التي تتقاسم معها المنطقة لم تحصن نفسها منه ولم تلتزم بالعلاج، فالمنطقة جسم واحد ولا ضمان أن يصاب الجزء الذي تم تحصينه بالمرض في أي وقت طالما أن الأجزاء الأخرى تعاني منه أو مؤهلة لتعاني منه.
هذا يعني أن الأمر يتطلب تكاتف كل دول المنطقة والتوافق فيما بينها والاتفاق على صيغة العلاج والالتزام بها بدقة، فمن دون هذا لا يمكن للمنطقة أن تفلت من الذي تعاني منه اليوم، وسيزداد التطرف والتعصب والطائفية وسيكون العنف هو الذي يدير كل شيء ويتحكم في كل شيء وهو الذي يقرر.
لا يكفي أن تحصن هذه الدولة أو تلك من دول المنطقة نفسها من هذه الأمراض وهذا الأذى، فعدم تحصين الدول الأخرى التي تتقاسم معها المنطقة نفسها وعدم قيامها بما قامت وتقوم به هذه الدولة سيقلل من مناعتها مهما فعلت لأن المنطقة واحدة. كمثال للتوضيح يمكن القول بأن قيام أصحاب واحد من بيوت الحي برش بيته بالمبيدات الحشرية لمكافحة البعوض ومنعه من التمكن من بيته لا يعني أنه ضمن عدم دخول البعوض إلى بيته ومص دم أهله، حيث البعوض يترك المكان لو أن كل البيوت قامت برش المبيدات الحشرية في آن واحد وبشكل متواصل. لكن إذا كان الأمر ممكنا في حال ابتلاء منطقة ما بالبعوض فهل يكون ممكنا في حال تعرض المنطقة لتلك الأمراض موضوع الحديث، حيث البعوض ظاهر بينما الطائفية والعصبية والعنصرية والتطرف أمور غير ظاهرة وإن سهل الاستدلال عليها من خلال فعل العنف الذي يتم ممارسته.
للأمانة العامة لمجلس التعاون دور مهم في هذا الخصوص كونها معنية بالتنسيق بين مجموعة دول التعاون، لكن المهمة الأكبر تقع على عاتق كل دولة من الدول الست وعلى كل دولة من دول المنطقة، فعلى كل واحدة منها أن تعمل على مكافحة كل تلك السوالب كي تحمي نفسها منها وتحمي كامل المنطقة. مهم هنا التأكيد على أنه على كل دول المنطقة أن تعمل على مكافحة تلك الأمراض كي تضمن السيطرة عليها والإفلات منها، ففي مثل هذا الأمر لا يمكن للجميع أن يفلت ويضمن النجاة لو أن واحدة فقط من دول المنطقة لم تهتم أو لم تلتزم بعملية المكافحة. لو أن الطائفية مثلا سيطرت على إحدى دول المنطقة فإن الأكيد هو أن الدول التي تتقاسم معها الجغرافيا معرضة للتأثر والإصابة.
الحقيقة التي لا يختلف عليها هي أن بعض ما أصاب دول مجلس التعاون في السنوات الأخيرة هو نتاج ما حصل في دول أخرى قريبة، فالطائفية والعنصرية والتعصب وغياب التسامح والتعددية والتعايش وغيرها من سوالب تمكنت من العراق وسوريا ودول أخرى في المنطقة تسببت في إرباك المجتمعات الخليجية التي من الطبيعي أن تتأثر، ومن الطبيعي أن يكون تأثر التي لم تحصن نفسها جيدا أكبر.
هذه الحقائق تدفع إلى القول بأنه إذا كانت دول مجلس التعاون تريد أن تضمن عدم انتقال تلك الأمراض والسوالب إليها فإن عليها أن توجد ما يكفي من تشريعات وضوابط تحميها منها وألا تكتفي بهذا وإنما أن تعمل على تخليص مختلف دول المنطقة من تلك الأمراض والسوالب، فما يتمكن من تلك الدول ؛ بعضها أو كلها، سيتمكن عاجلا أو آجلا من دول التعاون، وهذا قد يؤدي إلى انهيار الدفاعات والتحصينات التي قامت بها دول هذه المنظومة.
الأكيد أن قادة دول مجلس التعاون ليسوا غافلين عن كل هذا، لكن الأكيد أيضا أن التطورات السالبة التي حدثت بين بعض هذه الدول تصعب المهمة عليهم وتوجد في المقابل الظروف المعينة على تفشي تلك الأمراض والسوالب.
كاتب بحريني