إصلاح اقتصاد البرازيل

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ١٠/أكتوبر/٢٠١٨ ٠٤:٢٢ ص
إصلاح اقتصاد البرازيل

أوتافيانو كانوتو

تقترب البرازيل من عقد الانتخابات الأكثر أهمية في تاريخها منذ نهاية الحكم العسكري قبل أكثر من ثلاثة عقود من الزمن. ولكن في حين أضحت السياسة في البلاد مبتلاة بالخلل الوظيفي، فإن نتيجة الانتخابات سوف تظل متوقفة على أجندة الإصلاح الاقتصادي التي ستتبناها الحكومة التالية.

يُعَد نمو الإنتاجية الهزيل واحدا من أخطر التحديات التي تواجه البرازيل، حيث كان سببا في تقويض إمكانات النمو هناك. ومع زيادة الناتج لكل موظف بنحو 0.7% فقط سنويا في المتوسط منذ منتصف تسعينيات القرن العشرين، كان أكثر من نصف نصيب الفرد في نمو الدخل على مدار العقدين الأخيرين راجعا إلى زيادة في حصة السكان النشطين اقتصاديا. لكن هذا المحرك لنمو الدخل سوف يتوقف قريبا، بسبب الشيخوخة السكانية السريعة. يعكس نمو الإنتاجية الضعيف جزئيا الافتقار إلى الانفتاح التجاري، الذي يحد من قدرة الشركات البرازيلية على الوصول إلى المدخلات والتكنولوجيات الأجنبية، فضلا عن الحواجز التي تحول دون تمكين المنافسة المحلية الفعّالة. وعلاوة على ذلك، تعمل البنية الأساسية اللوجستية الضعيفة، والأنظمة الضريبية الحكومية المتضاربة، وإعانات الدعم المقدمة لشركات بعينها، على تمكين الشركات الأقل كفاءة من البقاء والاحتفاظ بالموارد، مما يؤدي إلى خفض متوسط الإنتاجية.

لمعالجة هذا الخلل، يتعين على صناع السياسات أن يبادروا إلى دعم القطاع الخاص من خلال تعزيز عمليات تبني ونشر التكنولوجيات المتقدمة، وليس تقديم التعويض عن التكاليف الداخلية العالية. علاوة على ذلك، لابد أن تكون بيئة الأعمال أكثر ملاءمة لأصحاب المشاريع، بما في ذلك من خلال إصلاح النظام الضريبي المعقد وغير المتوازن.
كما تشتد الحاجة إلى زيادة الاستثمار في البنية الأساسية، وأيضا إلى إصلاح الوساطة المالية، بحيث تصبح شروط التمويل أكثر تماشيا مع المشاريع الاستثمارية. ومن الممكن أن تستفيد جودة التعليم وتكوين رأس المال البشري من تخصيص الموارد العامة على نحو أقل جمودا والمزيد من تقاسم الخبرات بين الدول والبلديات، التي أحرز بعضها تقدما ملموسا باستخدام تدابير يمكن تطبيقها في أماكن أخرى.
تحتاج البرازيل أيضا إلى قدر كبير من التعديل المالي. وحتى برغم أن وتيرة زيادة الإنتاجية وإمكانات النمو الاقتصادي كانت بطيئة للغاية، فإن الإنفاق العام الحقيقي (المعدل تبعا للتضخم) ارتفع بشكل حاد. فقد ازداد الإنفاق العام من أقل من 30% من الناتج المحلي الإجمالي في ثمانينيات القرن العشرين إلى نحو 40% في العام 2017، بما في ذلك النمو بنسبة 68% من 2006 إلى 2017. ومع ذلك فإن الاستثمار العام (بما في ذلك في البنية الأساسية) انخفض، لكي يصبح أقل من 0.7% من الناتج المحلي الإجمالي في العام الفائت.
ومع تأثر الإيرادات الضريبية بانحدار الناتج المحلي الإجمالي في الفترة 2015-2016 وما أعقب ذلك من هشاشة تعافي الاقتصاد الكلي، وتدهور رصيد الميزانية الأساسية نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي بما يتجاوز أربع نقاط مئوية. وأدى ذلك إلى ارتفاع الدين العام من 54% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2012 إلى 74% في العام 2017.
لمعالجة الديون التي ارتفعت إلى عنان السماء، وافقت البرازيل في العام 2016 على تعديل دستوري يفرض سقفا للإنفاق العام على مدار السنوات العشرين المقبلة. وإذا تمكنت السلطات من الالتزام بهذه القاعدة ــ أو الجمع بين خفض الإنفاق وعائدات الضرائب لتحقيق تحسن بنسبة 0.6% من الناتج المحلي الإجمالي سنويا في الرصيد الأساسي للقطاع الخاص ــ فإن مسار الدين العام من الممكن أن يعود إلى الاستدامة مرة أخرى في غضون عشر سنوات. والمفتاح إلى النجاح بطبيعة الحال هو تخفيضات الإنفاق الذكية.
الواقع أن البنك الدولي، حيث أعمل مديرا تنفيذيا، حدد بالفعل المجالات حيث يمكن إجراء مثل هذه التخفيضات: الضمان الاجتماعي، ورواتب القطاع العام، وإعانات الدعم والإعفاءات الضريبية. ومن خلال تخفيف الضغط على الموازنة العامة، ربما يخلق خفض الإنفاق في هذه المجالات الحيز لأشكال أخرى من الإنفاق العام أكثر إنتاجية. من الأهمية بمكان أن نعلم أن مثل هذه التخفيضات لن تخلف سوى أدنى أثر ممكن على المواطنين الأكثر فقرا في البرازيل. وعندما يتعلق الأمر بالإصلاح الضريبي، هناك خطوات من الممكن أن تسهم ليس فقط في تحسين بيئة الأعمال، بل وتساعد أيضا في الحد من الظلم الاجتماعي المتأصل في النظام الحالي.
في السعي إلى تحسين الإنتاجية وتحقيق إعادة التوازن المالي، يتعين على قادة البرازيل أن يعملوا أيضا على إصلاح حوكمة القطاع العام. فالآن، أصبح توفير الخدمات العامة في مجموعة واسعة من المجالات ــ بما في ذلك الصحة، والتعليم، ومحاربة العنف، والبنية الأساسية، والنقل والخدمات اللوجستية، وإدارة الموارد المائية ــ يفتقر إلى الكفاءة بشكل كبير.
والأسباب متباينة إلى حد كبير. فالبرازيل تعاني من فائض في القواعد، الأمر الذي يسهم في جمود الميزانية؛ وتفتت عملية تسليم الخدمات؛ ورداءة تخطيط ومراقبة وتقييم المشاريع والسياسات؛ والافتقار إلى حوافز الأداء الإيجابي لعمال القطاع العام؛ والشخصنة القضائية لعملية صنع السياسيات؛ والبيروقراطية المتزايدة النفور من المخاطرة
وعلى هذا فإن البرازيل تحتاج إلى تحسين اتساق السياسات، بدءا من التخطيط، مرورا بتنفيذ البرامج والمشاريع والتركيز بشكل أكبر على نتائج المراقبة والتقييم. كما سيعمل التنسيق الأفضل بين القطاعين العام والخاص على تحسين قدرة الإنفاق العام على المساهمة بشكل أكبر في تحسين النتائج الاقتصادية الاجتماعية.
إن مستقبل البرازيل يتوقف على تنفيذ إصلاحات اقتصادية ذكية وتدريجية ومتماسكة تعمل على تسهيل نمو الإنتاجية وتضع البلاد على المسار نحو الاستدامة المالية. وأيا كان الفائز في الانتخابات المقبلة يتحمل المسؤولية عن التعامل مع هذه الحتمية.

مدير تنفيذي في البنك الدولي