مارك ليونارد
في الدورة الثالثة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الشهر كان هناك شعور واسع النطاق بين زعماء العالم بالخوف مما قد يحصل ومشاعر الخوف والقلق تلك كانت أكبر من مشاعر القلق الاعتيادية عن ما الذي سيقوله أو يفعله أو يغرد بشأنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وحتى قبل بداية القمة كانت هناك مشاورات جدية بين الأوروبيين والكنديين والمكسيكيين والكوريين الجنوبيين واليابانيين فيما يتعلق بالحاجة لتحالف جديد من أجل إنقاذ النظام متعدد الأطراف.
في أواخر الستينات شعر وزير الخارجية الأمريكية دين اتشيسون بعد تقييمه لحقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية وكأنه كان شاهداً على إنشاء عالم جديد قائم على الأحكام والقواعد المشتركة والمؤسسات المتعددة الأطراف، ولكن في الجمعية العمومية للأمم المتحدة هذا العام شعر العديد من الحضور وكأنهم كانوا شاهدين على دمار ذلك العالم.
إن هناك عدة أسباب لذلك ولكن العديد منها مرتبطة بترامب والذي يتضح من هجماته على اتفاقية باريس للمناخ والاتفاق النووي مع إيران والنافتا والناتو ومنظمة التجارة العالمية ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أنه ينظر إلى النظام العالمي كقيد غير ضروري على ادارته.
بالنسبة لترامب فإن المؤسسات متعددة الأطراف عادة ما تقوي موقف القوى الأضعف في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية مما يعني أنها تسهل رغبة الصين بالهيمنة الدولية وبالتالي فإن الحل عند ترامب هو تدمير النظام العالمي والتفاوض مع البلدان الأخرى على أساس ثنائي وبهذه الطريقة فإن الولايات المتحدة سيكون لها دائما اليد الطولى مما يمكنها من تغيير القواعد والأحكام لصالحها.
لكن ترامب لا يعد التهديد الوحيد للنظام متعدد الأطراف فلقد سعى الرئيس الصيني تشي جينبينغ على تصوير نفسه كمنقذ للنظام العالمي ومع ذلك فإن هدفه هو ليس الدفاع عن المؤسسات والتي تعتمد عليها الحوكمة الدولية، بل تعزيز القوة الصينية. إن نزع الأولوية عن حقوق الإنسان يعني أن تشي ستكون لديه حرية اكبر في السعي لتنفيذ مشاريع مثل مبادرة الحزام والطريق والتي تهدف الى تعزيز النفوذ الصيني في اوراسيا ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ. بالإضافة الى ذلك فإن ترامب وتشي هم فقط اثنان من بين مجموعة أكبر من القادة المهيمنين الذين يتحدون النظام العالمي التقليدي القائم على فلسفة كانت. إن من الرجال الأقوياء الطامحين كذلك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس التركي رجب طيب أردوجان ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بينامين نتنياهو وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. إن صعود مثل هؤلاء القادة يجعل التمسك بالنظام القائم على الأحكام والقواعد صعباً على نحو متزايد.
إن المهمة التي تواجه ما تبقى من المناصرين للنهج متعدد الأطراف هو تجنب أن يصبحوا أوصياء على الوضع القائم والذي هو ميت فعلياً وهذا سيتطلب أن يحددوا بعناية الجوانب الضعيفة في النظام الحالي وأن يشكلوا تحالفات مع الراغبين في معالجة تلك الجوانب. بالنسبة للتجارة على سبيل المثال فإن المناصرين للنهج متعدد الأطراف سيحتاجون للعمل مع الصين للدفاع عن منظمة التجارة العالمية ولكنهم سيحتاجون كذلك الى اصلاح منظمة التجارة العالمية وذلك لتكون قادرة على الحد من الممارسات الصينية التي تثير المشاكل فيما يتعلق بالتجارة والاستثمار.
إن الجزء الأصعب في هذه الاستراتيجية هو تجميع مجموعة معتبرة من الدول التي بإمكانها التأكيد على القيم الليبرالية وحتى عندما تتجاهل القوى العظمى تلك القيم وهذا الأمر سيكون ضرورياً، وخاصة أن العالم يتحرك بعيداً عن رؤية النهج المتعدد الأطراف والتي كانت سائدة في بداية القرن.
عندما كنت في بيجين قبل أسابيع قليلة، كان الاستراتيجيون الصينيون يجادلون ما إذا كان النظام الجديد سيكون متعدد الأقطاب أو ثنائي القطب ولقد اتفق غالبيتهم أنه سيرتكز على مواجهة ثنائية القطب بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين ولكن كان لديهم شكوك كذلك بأن تلك المواجهة ستشبه الحرب الباردة وفترات ما بين الحربين وعوضا عن ذلك يتوقع الكثيرون عودة للنهج الجيوسياسي لحقبة ما قبل الحرب العالمية الأولى.
أنا أعتقد أن الفوضى العالمية الجديدة سيكون لها أربع خصائص رئيسية وهي أولاً، «حروب الترابط» والتي ستكون أكثر شيوعاً فالروابط التي تجمع البلدان بعضها ببعض لن تقطع ولكنها لن توجد الشروط اللازمة لتعددية أطراف حقيقية وعوضا عن ذلك ستقوم القوى الكبرى بتسليح الروابط الخاصة بها مما يؤدي الى زيادة الحروب التجارية والهجمات السيبرانية وأنظمة العقوبات والتدخل بالانتخابات.
ثانياً، عدم الانحياز سيصبح هو السياسة الخارجية المفضلة فبينما كانت الحرب الباردة هي عبارة عن صراع بين التحالف الغربي والكتلة السوفياتية، فإن العالم الجديد ثنائي القطب سيسمح بالتقارب بشكل أكبر بكثير فعوضاً عن التعهد بالولاء للصين أو الولايات المتحدة الأمريكية فإن معظم البلدان ستبقي خياراتها مفتوحة بحيث تعمل مع الصينيين فيما يتعلق ببعض القضايا ومع الأمريكان فيما يتعلق بقضايا أخرى.
ثالثاً، سيستمر الرجال الأقوياء بالحكم وبينما تستعر المنافسة الجيوسياسية، سيلجأ الناخبون للقادة الأشداء والذين يثقون بهم من أجل الدفاع عن المصالح الوطنية الضيفة ولكن هذا التحول الى مركزية صنع القرار سيؤدي الى سياسات غير متجانسة وراديكالية بالإضافة إلى غش دائم. إن عدم تمكين النظام متعدد الأطراف من لعب دور الشرطي فيما يتعلق بالانتهاكات يعني أن الدول التي يحكمها الرجال الأقوياء ستقوم وبشكل متزايد بعدم الوفاء بوعودها والكذب والترويج لنظريات المؤامرة وهي طريقة عمل ترامب.
أخيراً، ستصبح السياسة الخارجية موجهة محليا بشكل أكبر وعوضا عن محاولة التأثير على البلدان الأخرى أو القيادة على المسرح العالمي، سيركز القادة السياسيون على تعزيز قاعدتهم المحلية.
عندما يواجه الملتزمون بالنهج المتعدد الأطراف هذا النوع من الفوضى فإنه يتوجب عليهم أن يركزوا فقط على الدفاع عن الجوانب الأكثر حيوية من النظام العالمي وهذا يعني انه يتوجب عليهم أن يكونوا صارمين مع القادة المهيمنين. لقد أظهر الاتحاد الأوروبي وكندا واليابان من خلال ردودهم على تهديدات ترامب التجارية أن من الممكن عمل ذلك ولكن يتوجب عليهم الآن أن يذهبوا إلى ما هو أبعد من ذلك من خلال تطوير نهج شامل للدفاع عن القواعد والأحكام العالمية في عصر سوء الحكم على المستوى الوطني.
مدير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية