
علي بن راشد المطاعني
كنت عندما يشتد بي ألم الأسنان أصبر عليه وأتحمل أذاه وعذابه وألوذ بالمسكنات في محاولة لكبح جماح الألم المبرح، كل ذلك بهدف واحد هو تجنب زيارة طبيب الأسنان رغم إنه الملاذ الصحيح والواجب الاتباع ليس لي، ولكن لكل من ذاق عذاب آلام الأسنان، كان هذا الهاجس ملازما لي منذ الصغر، فذهابي لطبيب الأسنان يعني ذهابي للمشنقة لتنفيذ حكم الإعدام بحقي، كانت أدوات خلع الأسنان تثير بواعث الرعب في دواخلي.
غير أن تجربتي مع أطباء أسنان عُمانيين كانت مختلفة تماما عن كل تجاربي المريرة السابقة، بداية وجدت حنوا إنسانيا غير مسبوق، ووجدت بشاشة في الوجه وترحيب لغوي بديع، ومن بعد ذلك كان علاج الأسنان أشبه بمساج الأسنان كتعبير استلهمناه واستنبطناه من مساج الجسم إذ بعده يجد الإنسان تلك الراحة الجميلة، وقد يغشاه النعاس بعد ذلك إن لم تكن سنة من النوم قد داهمته فعلا، هنا تبدد خوفي، لقد استطاع هؤلاء الشباب اقتلاع الخوف وبواعثه دواخل نفسي من الجذور وألقوها من شاهق في مكب العدم، لم أكن أتخيل أن علاج الأسنان بهذه البساطة وبهذه السلاسة وبهذه المهنية العالية إلا بعد هذه الزيارة التي لن أنساها ما حييت، حتى أشعة للأسنان كانت بمثابة تجرع كوب من عصير فاكهة طازحة بإدخال أدوات الأشعة في حلقي الضيق.
هذا ما وجدته وما لمسته من هؤلاء الشباب العُماني بعد أن نهلوا من معين العلم الذي لا ينضب وقد آلوا على أنفسهم تقديم كل ما يملكون من علم وأدب وتأدب لمرضاهم ولمواطنيهم في هذا الحقل الطبي الشديد الأهمية، ماهو معروف عن طب الأسنان وأطباء الأسنان أن أجورهم عالية، حتى شركات التأمين الصحي وبوالصيتها لا تشمل التأمين على الأسنان إلا عملية الحشو، وقد لا يستطيع أغلب المرضى الوفاء بها لذلك لا يملكون غير التصالح مع الألم واحتمال ضرباته القاسية وهي ضربات تحت الحزام دوما كما نعلم، ولكن احتمالها أهون من ضربات أطباء الأسنان، أما هؤلاء الأطباء الشباب فقد كانوا يعملون من أجل هذه المهنة الإنسانية رفيعة المستوى ولم يكن هدفهم المتاجرة بهذا العلم الذي وهبه لهم علام الغيوم، فعيادة هؤلاء الشباب بالقرم تحكي قصة تستحق أن تكتب بماء الذهب وتعلق في هامات جبال السلطنة الشاهقات فقد أوفوا ووفوا.
لقد زرت العديد من عيادات الأسنان داخل البلاد وخارجها، وكانت لي جلسات علاج في تلكم العيادات كانت بمثابة الدخول إلى كهوف الجحيم، وآلاف الريالات لن تشفع ولن تغني أو تسمن من جوع، وفي تايلاند التي زرتها وكانت لي تجارب هناك أستطيع الآن أن أقول بثقة مطلقة بأن شبابنا هم الأفضل وهم الأجود وهم الأكثر رحمة والأوفر إنسانية وفوق كل هذا هم الأكثر مهارة ومهنية في هذه المهنة.
من بعد كل هذا التطواف يمكنني القول إن هؤلاء الأطباء العُمانيين الشباب والصيادلة وغيرهم من الكفاءات الوطنية الطبية يحتاجون منا للثقة فيهم وفي قدراتهم التي اتضح وبالتجربة أنها الأعلى والأسمى والأغلى لا مالا ولكن إنسانية وحبا وبشاشة.
إحدى أخصائيات العلاج الطبيعي وبعد أن أبلت بلاء حسنا في عملها ألقت كلمات قليلة في عددها غير أن وقعها أحدث دويا كدوي الصاعقة لدي كأنها ترسل رسالة مبطنة للمجتمع فقد قالت:
(ثقوا في المنتج المحلي)، والعبارة المدوية لا نحسبها في حاجة لشرح أو تفسير، فهي واضحة وضوح الشمس في كبد السماء، فهل وصلت الرسالة إلينا جميعا، نحسب أن الإجابة بنعم واجب على الجميع فالطبيب العماني يضع السمعة فوق كل شيء.
وبما أن الرسالة قد وصلت فإن هول الأمانة يقع علينا نحن كإعلاميين في المقام الأول، وفي كل وسائل الإعلام، ولكل المغردين في وسائط التواصل الاجتماعي، بأن يحملوا معنا هول هذه المسؤولية الجسيمة والمضي بها إلى غاياتها النبيلة والغائرة في معناها ومغزاها وجدواها، لذلك فقد وجدت نفسي مدفوعا ومندفعا بقوة لا قبل لي بها لكتابة هذا المقال بعد خروجي من العيادة مباشرة، قد تكون هي الأمانة عينها التي عرضها الله عز وجل على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان، وبما إنني إنسان ها أنا ذا أقع ضحية لهذه القوة العاتية، وأتطلع من الزملاء وكافة أفراد المجتمع الالتفاف على أبنائهم أينما وجدوا بتفضيل خدماتهم ومنتجاتهم، فقوة المجتمع هي أكبر دعم ودافع لهم ولبناء وطنهم.