
محمد بن محفوظ العارضي
لم يعد الفضاء مجالاً للتنافس العلمي بين الأمم المتقدمة، ولكنه تحول إلى مجال استثماري تقصده رؤوس الأموال بحثاً عن عائدات سخية باعتباره أفضل استثمار في المستقبل.
ولا يتزايد عدد الشركات التجارية العاملة في أنشطة متعددة في الفضاء ما أوجد قطاعاً استثمارياً جديداً يستهدف الثروات التي يمكن للمستثمرين تحقيقها من الفضاء، ولكن يتزايد بشكل مضطر عدد الدول التي انضمت إلى نادي الفضاء العالمي بعد اعتمادها برامج علمية متخصصة وإطلاق رحلات استكشاف خاصة وصولاً إلى تخريج رواد فضاء، كما أعلنت مؤخراً دولة الإمارات العربية المتحدة بتسمية أول رائدي فضاء عرب إلى محطة الفضاء الدولية، وذلك ضمن جهود عربية أخرى لاستكشاف هذا القطاع الواعد، وهو ما يثبت أننا نحن العرب دائماً نستطيع، ويمكننا تحقيق الكثير طالما يتوفر لنا الدعم والرعاية بوجود قادة ملهمين يمكنهم إخراج أفضل ما لدى شعوبهم من قدرات ومواهب.
وبالطبع فإن هذه الخطوة العملاقة تعزز الوجود العربي -الذي كان خجولاً قبلها- في المشهد الفضائي العالمي، خصوصاً مع تزايد حدة المنافسة عالمياً في استكشاف ثروات الفضاء، تلك المنافسة التي لم تعد قاصرة على الدول فيما بينها، ولكن بدأت شركات عملاقة تدخل الحلبة باستثمارات ضخمة، ففي السنوات القليلة الفائتة، بدأت شركات مثل "سبيس إكس" و"فيرجين غالاكتيك" التي ضخت فيها المملكة العربية السعودية استثمارات مؤخراً، في تسويق برامج لاستكشاف الفضاء، بلغت قيمتها 13 بليون دولار أمريكي، ومن المتوقع أن تساهم هذه الشركات في تحقيق أفكار طموحة، مثل قضاء عطلات عبر رحلات إلى القمر، أو للتعدين على سطح الكواكب القريبة، أو القيام برحلات إلى المريخ، وكلها أفكار قد يصبح بإمكان أناس عاديين، ليسوا من رواد الفضاء المحترفين، القيام بها، وهو ما يفتح مجالاً جديداً لسوق استثمارية ضخمة تستقطب المغامرين من أصحاب المدخرات، ويجعل الفضاء ذا صلة أكبر بالمستهلكين العاديين.
ووفقاً للبيانات المتاحة فإن الفضاء يستقطب حالياً استثمارات بنحو 300 بليون دولار سنوياً، حوالي 250 بليوناً منها تستهدف أغراضاً تجارية ربحية، ومع ذلك فإن قطاع الصناعة الفضائية لا يزال في طور التشكل، وهذا يعني أنه يمكن للمستثمرين الذين دخلوا المجال مبكراً صياغة وتحديد مسار هذا القطاع الواعد.
ومما لا شك فيه أن النواحي الاقتصادية للفضاء ما زالت مبهمة إلى حد بعيد، ولكن القطاع يتمتع بإمكانيات واعدة، وتتوقع معظم الدراسات ذات الاختصاص أن الأنشطة الاقتصادية في الفضاء ستشكل قريباً 10% من الاقتصاد العالمي، وذلك بعدما شهدت اقتصادات الفضاء، في السنوات الأخيرة، رواجاً عالمياً، باعتبارها نمطاً من الأنشطة الاستثمارية المستندة إلى التراكم العلمي الذي سجلته البشرية منذ انطلاق أول رحلة لاستكشاف الكون من حولنا قبل 60 عاماً، واليوم تساهم الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالفضاء في توفير أكثر من مليون وظيفة حول العالم، بمتوسط أجر للوظيفة الواحدة يقدر بأكثر من 100 ألف دولار سنوياً، واللافت أن قدرة هذا القطاع الواعد على إيجاد الوظائف في تسارع مستمر.
وتتنوع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالاستثمار في الفضاء ما بين إطلاق الأقمار الصناعية لأغراض الاتصالات والمراقبة الأرضية، وكذلك تكنولوجيا المعلومات والإنترنت، بالإضافة إلى التنقيب والتعدين في الفضاء، وأيضاً سياحة الفضاء التي تشهد إقبالاً واسعاً من جانب الأثرياء رغم وصول قيمة التذكرة الواحد لأكثر من 250 ألف دولار، إلا أن كل التذاكر المطروحة للبيع من جانب شركة «فيرجن غالاكتيك» بيعت بالكامل، ومن بين الأنشطة أيضاً النقل الفضائي بين الأرض والمحطة الدولية إذ جرى الاتفاق بين "ناسا" وشركتي "بوينغ" و"سبيس إكس" على بناء أسطول من التاكسي الفضائي لهذا الغرض، وأخيراً هناك نشاط الحصول على الطاقة من الفضاء عبر بثها إلى الأرض، وهو نشاط ما زال في طور الأبحاث العلمية ولكن المشروع الممول من اليابان قد يرى النور في غضون 15 عاماً.
وختاماً: فإن هذا النمو المتسارع للأنشطة التجارية والاقتصادية في الفضاء يحتم على أصحاب المصلحة والمهتمين بالقطاع التباحث في ما بينهم من أجل التوصل إلى ما يمكن أن يكون بمثابة ميثاقاً عالمياً للاستثمار في الفضاء، بما ينظم هذا القطاع الواعد ويشجع في نفس الوقت المزيد من الأموال والاستثمارات على التدفق لاقتناص ما يتاح من فرص، ويعمل أيضاً على إيجاد آلية معتمدة لفض المنازعات حال وقوعها. ومن المؤكد أن مثل هذا الإجراء سيجعل الفضاء - بحق- الاستثمار الأمثل في المستقبل.