كم التكلفة؟

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٢٦/سبتمبر/٢٠١٨ ٠٣:٥٣ ص
كم التكلفة؟

سمعان كرم

من المستحسن والمفيد أن نحتسب تكلفة أي قرار أو قانون أو التعديلات التي قد تطرأ عليه، وأن نحدد من هو المستفيد الفعلي وما هي الرواسب الاقتصادية الناجمة عن ذلك القرار أو القانون.

فلو تكلمنا مثلاً عن قانون العمل الحالي نحن نعلم ونعترف بأن لا أحد من الذين راجعوا القانون هذا يومذاك -في القطاع الخاص ممثلاً بغرفته ولا القوى العاملة ممثلة باتحادها العام- قد طرح مثل تلك الأسئلة أو قام باحتساب الكلفة أو قيّم تأثيرها على الاقتصاد. حتى ولو كان التحليل هذا يأتي متأخراً بعض الشيء علينا أن نجد الأجوبة كي نتعلم الدرس ونأخذه بالحسبان في المستقبل.

إذا كانت أهداف قانون العمل حماية حقوق القوى العاملة الوطنية بصورة خاصة والعمالة الوافدة كذلك، بطريقة تتماشى وتنسجم مع قوانين وتوجيهات منظمة العمل الدولية التي ننتمي لها، وبطريقة تأخذ في الاعتبار حقوق وواجبات القطاع الخاص، كي يقوم توازن بين مصالح أطراف الإنتاج، لنحلل ما إذا كانت طريقتنا بإصدار النصوص وتطبيق هذا القانون هي الطريقة الوحيدة الناجعة أو كان بالإمكان إيجاد طرق أخرى تحقق الأهداف بكلفة أقل.
لنبدأ أولاً بعدد أيام العمل الأسبوعية، فقد خفض عددها من ستة إلى خمسة أيام لجميع العاملين في السلطنة. أتى هذا التعديل بمثابة هدية للوافدين الذين نصّت عقودهم على العمل لفترة ستة أيام مع يوم واحد للاستراحة. نحن نعلم أصلاً أن الوافدين لا يريدون التوقف عن العمل يومين في الأسبوع الواحد، إذ إنهم أتوا للسلطنة ليستفيدوا إلى أقصى حدٍ ممكن لزيادة دخلهم وادخاراتهم، هذا من جهة. وكذلك القطاع الخاص وأرباب الأعمال بشكل عام لا يحبذون تجميد أعمالهم كلياً لفترة يومين في الأسبوع الواحد، ما يحصل حالياً هو أن الوافدين يعملون في اليوم السادس لكن حسب نظام الساعات الإضافية التي تحتسب لهم بأجر أعلى من الأجر العادي. هذا يحدث مرة كل أسبوع، كم هو الفارق بالريالات العمانية؟
نحن نعلم أن الوافدين يحولون حوالي خمسة بلايين ريال عماني سنوياً إلى الخارج، وبالتالي يكون معدل التحويلات اليومية حوالي خمسة عشر مليون ريال عماني. لكن لو احتسب هذا الرقم على أساس تعرفة العمل الإضافي تكون التكلفة حوالي عشرين مليون ريال عماني أي بزيادة خمسة ملايين ريال عماني مرة كل أسبوع. وبعملية حسابية بسيطة نرى أن الفارق السنوي يقارب 260 مليون ريال عماني!
بينما لو تركنا عدد أيام العمل الفعلية ستة أيام في الأسبوع وأعطينا القوى العاملة الوطنية يوم عطلة إضافياً في الأسبوع لتغطية أوقات التنقل بين مراكز العمل وسكن عائلة الموظفين، كما جرت العادة في بعض الشركات قبل صدور هذا القانون، لكان بالإمكان تحاشي تلك التكلفة الإضافية واستعمالها لأغراض أخرى.
ولو أخذنا الإجازات العادية كم تكلفتها؟
علمنا إذن أن اليوم الواحد يكلّف القطاع الخاص حوالي خمسة عشر مليون ريال عماني. لو اختصرنا الإجازات للجميع إلى يومين في عيد الفطر ويومين في عيد الأضحى ويومين في العيد الوطني ويومين أو ثلاثة لأعياد دينية أخرى وأعطينا العمانيين الفارق من الأيام حق الغياب وذلك لبعد المسافات والقيام بالشعائر الدينية والواجبات المجتمعية لوفرنا حوالي عشرة أيام في السنة التي تكلفتها على القطاع الخاص تكون بحدود 150 مليون ريال عماني بالسنة.
وماذا عن الزيادة السنوية 3%. لو احتسبناها على أساس التحويلات المقدرة بخمسة بلايين، كما ورد سابقاً، تكون في حدود 150 مليون ريال عماني. هدية أخرى يعطى أكثرها للوافدين! بالنتيجة ومن أجل أن نعطي أولادنا ريالاً واحداً إضافياً، وهم يستحقون ذلك طبعاً، نهدي الوافد عشرة ريالات على حساب ونفقة القطاع الخاص.
مثلما وجدنا طريقة لتحاشي تطبيق الحد الأدنى للأجور على الوافدين، كان بالإمكان تحاشي تلك المصاريف العالية التي تقع حالياً على كتف القطاع الخاص. لو اقتسمنا ذلك الوفر بين الشركات والمؤسسات مناصفة مع العمال لكان بالإمكان رفع الحد الأدنى للأجور مثلاً إلى 425 ريالاً عمانياً وبنفس الوقت نرفع عن كاهل القطاع الخاص حوالي 300 مليون ريال عماني. بذلك نكون قد خدمنا مصالحنا أولاً دونما التعرض للقوانين الدولية أو عقود العمل الموقعة مع الوافدين.
في عصر الذكاء الفكري، والعاطفي والاجتماعي والاصطناعي علينا أن نضع كل ذلك في خدمة ومصلحة وطننا الحقيقية.