
عيسى المسعودي
Ias1919@hotmail.com
تسارعت خلال الأيام الفائتة الأحداث والتوترات الاقتصادية بين كبرى دول العالم أمريكا والصين، وذلك من خلال القرارات الأخيرة التي قامت كل دولة باتخاذها في مجال فرض الرسوم الجمركية على مجموعة كبيرة من المنتجات التي يتم تصديرها بين البلدين، إذ وصلت هذه الرسوم إلى بلايين الدولارات مع تصاعد التهديد في ارتفاع هذه الرسوم بشكل كبير خلال الفترة المقبلة، كما اتخذت كل دولة بعض الإجراءات وأصدرت قرارات من شأنها زيادة هذا التوتر بشكل كبير من بينها قرار الصين الأخير بإلغاء الاتفاقية التجارية الحرة مع أمريكا ووقف مصانع السيارات الأمريكية وإلغاء العديد من الاتفاقيات والعقود مع بعض الشركات الأمريكية، كما قررت الصين وحسب بعض المعلومات والأخبار التي جرى تداولها عبر وسائل الإعلام المختلفة البدء في التحول للأسواق الأوروبية كبديل وتعزيز العلاقات التجارية مع هذه الدول مثل: ألمانيا وبريطانيا وفرنسا، مما يجعلنا جميعاً أمام حرب اقتصادية حقيقية ستؤثر على الجميع إذا استمرت الأحداث بالتصاعد وتمسك كل دولة بقرارها، خاصة فيما يتعلق بوقف المباحثات التجارية المشتركة بين الطرفين وعدم وجود قنوات للتواصل بينهما.
لا يختلف اثنان على أن الصين وأمريكا تعدان أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم، وتغزوا المنتجات والبضائع الأمريكية والصينية كل دول العالم وبنسب وأحجام كبيرة، وقد لا توجد دولة في العالم ليست لديها علاقات أو تستورد منتجات أو بضائع من هاتين الدولتين، ولعل هذا يعطينا انطباعاً أو مؤشراً على حجم وتأثير مثل هذه القرارات أو المواجهات بين هذه الدول، فالمؤشرات الأولية تدل على أن هذه القرارات ورغم أنها اقتصادية وتجارية إلا أنها بالدرجة الأولى سياسية ولها أبعاد كبيرة ستؤثر أولاً وبشكل كبير على هذه الدول، خاصة أن حجم التبادل التجاري بينها كبير وفي مختلف المنتجات خاصة في المنتجات الصناعية، وقد تتفاقم هذه الأزمة أو الحرب التجارية كما أطلقت عليها وسائل الإعلام وقد نشهد خلال الفترة المقبلة مزيداً من القرارات الأحادية أو الثنائية في ظل التوترات والتطورات الاقتصادية والسياسية التي يشهدها العالم بشكل عام أو التطورات الحالية بين هاتين الدولتين الكبيرتين. ومن المؤكد أن هذا التأثير وسوء العلاقة بين الطرفين سيكون له تداعيات وتأثير على باقي دول العالم سواء كان التأثير إيجابياً أو سلبياً، فقد نشهد في الفترة المقبلة ضغوطات من هذه الدول على دول أخرى وأحداثاً مستجدة تزيد من هذه الحرب التجارية التي إذا استمرت سيكون لها تأثير على الجميع وعلى المستويات كافة، وذلك بسبب حجم وقوة هاتين الدولتين وتأثيرهما الاقتصادي على مستوى العالم.
من جانب آخر، فإن هذه الأزمة التجارية بين أمريكا والصين ستفتح أسواقاً جديدة لبعض الشركات خاصة في دول الاتحاد الأوروبي التي بدأت بالفعل في استثمار الظروف والبدء في إجراء محادثات تجارية مع الحكومة الصينية ومع بعض الشركات لتصدير المنتجات الأوروبية للسوق الصيني في ظل مواصلة أمريكا الاستمرار في فرض الرسوم الجمركية ليس فقط على الصين وإنما على روسيا أيضاً وعلى بعض المنتجات الأوروبية، وتشكل هذه الظروف فرصة حقيقية لهذه الشركات التي بدأت بالفعل بالتحرك والتعرف على الفرص التجارية وكيفية التعاون مع الحكومة الصينية في هذا المجال، خاصة أن الرغبة موجودة من قبل الحكومة في ظل التداعيات الحالية، كذلك من الممكن لبعض الشركات في منطقتنا وفي السلطنة تحديداً الاستفادة من هذه الظروف الحالية من خلال تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري مع الصين التي تربطنا بها علاقات قوية، فقد تنوي الحكومة الصينية تحويل بعض الاستثمارات أو الفرص التجارية إلى المنطقة كبديل لمواجهة المتغيرات الحالية، كذلك قد تفكر الحكومة الصينية خلال الفترة المقبلة ولتفادي الرسوم الجديدة أو العلاقات المباشرة مع أمريكا في إيجاد وسيط من الشركات على مستوى العالم لتصدير المنتجات الصينية عبر الدول الأخرى التي لديها علاقات قوية مع أمريكا، ويمكن التصدير بدون فرض رسوم إضافية، وهذه الإجراءات سبق أن قامت بها العديد من دول العالم عندما واجهت مثل هذه الظروف والمتغيرات خاصة في أوقات الأزمات أو الحروب، وأيضاً نفس النهج قد تتبعه بعض الشركات الأمريكية إذا استمر التوتر أو تفاقمت العلاقات التجارية بين البلدين.
إن الحروب بمختلف مسمياتها لا شك أن لها تأثيراً كبيراً على الجميع، فالبعض ينظر لها على أنها فرصة لتحقيق مكاسب جديدة بينما يتأثر بها البعض سلبياً، وبلا شك أن الأزمة أو الحرب التجارية الحالية بين أكبر قوتين اقتصاديتين على مستوى العالم يتابعها الجميع بترقب وقلق، وعلينا في المنطقة أن لا نستبعد تأثير هذه الحرب علينا سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وسواء إيجابياً أو سليباً، فهذه للأسف طبيعة الحروب أو الأزمات خاصة التجارية والاقتصادية فيها الخاسر وفيها الكاسب، وتأثيرها قد يكون على المدى المتوسط والبعيد، فالهدم عادة يكون سريعاً ولكن البناء من جديد سيحتاج إلى وقت طويل ولثقة متبادلة، ولدينا العديد من التجارب الاقتصادية في هذا المجال فكم من أزمة اقتصادية أو مالية ظهرت وواجهتها بعض الدول وكان تأثيرها سريعاً ومدمراً وأخذت بعد ذلك وقتاً طويلاً حتى تعافى العالم منها، لذلك نأمل أن الأزمة أو الحرب التجارية الحالية بين أمريكا والصين ألا تستمر وأن يكون لها حل سريع قبل أن تتفاقم ويتأثر منها الجميع، فقد تتجاوز الأزمة هذه الدول لتشمل دولاً أخرى وتسبب ركوداً اقتصادياً جديداً.