انهيار التجارة العالمية

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ٢٥/سبتمبر/٢٠١٨ ٠٥:٤٩ ص
انهيار التجارة العالمية

آن أو. كروجر

بعد مرور عشر سنوات على إفلاس ليمان براذرز، بتنا نعلم أن التدابير متعددة الأطراف كانت بالغة الأهمية في منع ما يُسمى الركود العظيم من التحوّل إلى كارثة أشد سوءا. في ذلك الحين، كان النظام المالي العالمي مترنحا. واليوم أصبحت المخاطر تحيط بنظام التجارة العالمية.

على مدار السنوات السبعين الفائتة، خدمت التعددية العالَم على خير ما يرام. وبفضلها إلى حد كبير، تجنّبت الولايات المتحدة الردود الانتقامية والتعويضات بعد الحرب العالمية الثانية. وبدلا من ذلك، قادت الطريق في إنشاء المؤسسات الاقتصادية الرئيسية الثلاث -صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية (المعروفة سابقا بالاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة، أو الجات)- التي تشكّل الأساس الذي يقوم عليه النظام الاقتصادي الدولي الذي ما يزال قائما إلى يومنا هذا.

قدمت كل من هذه المؤسسات مساهمة كبيرة في النمو الاقتصادي العالمي، لكن أبرزها كانت منظمة التجارة العالمية ونظرا لتوسع نظام التجارة المفتوحة متعدد الأطراف في إطار اتفاقية الجات/‏منظمة التجارة العالمية، كانت التجارة العالمية منذ الحرب العالمية الثانية تنمو بمعدل مرة ونصف أسرع من نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
ورغم أن التعددية اليوم ليست أقل أهمية مما كانت عليه طوال حقبة ما بعد الحرب، فإن التهديدات ضد منظمة التجارة العالمية أصبحت في ازدياد. وعلى رأس هذه التهديدات تأتي الهجمات الجارية التي تشنّها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي تحاول تقويض المؤسسة ماديا ومعنويا.
خلال بداية الأزمة المالية قبل عقد من الزمن، خشي كثيرون أن تسعى الدول إلى إقامة حواجز تجارية جديدة؛ لأن هذا هو ما حدث في ثلاثينيات القرن العشرين وخلال فترات ركود أخرى بعد الحرب. ولكن جرى تجنّب القيود التجارية إلى حد كبير؛ بسبب تدخل منظمة التجارة العالمية ومجموعة العشرين لتسهيل التعاون متعدد الأطراف. ولم يتقلص حجم التجارة العالمية بقدر ما كان ليتقلص، وبحلول العام 2011، تعافى وارتد إلى مستويات ما قبل الأزمة.
التزمت البلدان الأعضاء في منظمة التجارة العالمية (164 دولة) بدعم نظام متعدد الأطراف مفتوح وقواعد وإجراءات مشتركة يتلخص الهدف منها في مساعدة النظام على النمو. والواقع أن هذه القواعد تقدم للتجارة الدولية ما توفره القوانين التجارية المحلية للعقود والمعاملات بين الأطراف داخل ولاية قضائية بعينها.
وبموجب قواعد منظمة التجارة العالمية، تخضع شركات التجارة الدولية لنفس الضوابط التنظيمية الوطنية التي تخضع لها الشركات المحلية، ويتمتع التجار بنفس الحقوق التي يتمتع بها المواطنون في محاكم الشركاء التجاريين. ولا يجوز للحكومات أن تميز ضد بلدان أعضاء أخرى في منظمة التجارة العالمية (بمعنى أن الفائدة التي يحصل عليها أي شريك تجاري لا بد أن يتوقع مثلها الجميع). ولا يُسمَح بالتعريفات الجمركية إلا في ظل ظروف معيّنة. وتُحال انتهاكات القواعد المزعومة إلى هيئة تسوية المنازعات التابعة لمنظمة التجارة العالمية.
إن ضمان حصول الشركات التجارية على معاملة تنظيمية وقضائية عادلة من قِبَل حكومات الدول الأعضاء أمر ضروري، وكان مبدأ عدم التمييز عقيدة يعتنقها نظام التجارة العالمية منذ نشأته. وهذه هي الأحكام التي تجعل النظام متعدد الأطراف حقا.
بموجب إطار منظمة التجارة العالمية، يسمح مبدأ الدول الأكثر استحقاقا للرعاية بمفاوضات تجارية متعددة الأطراف بين متساوين. ومن خلال مثل هذه المفاوضات، جرى خفض متوسط التعريفة الجمركية على السلع المصنّعة بين الاقتصادات المتقدمة من أكثر من 40 % في أواخر أربعينيات القرن العشرين، إلى نحو 4% فقط اليوم -لصالح كل الأعضاء إلى حد كبير.
وتُعَد آلية تسوية المنازعات التابعة لمنظمة التجارة العالمية ذات أهمية بالغة أيضا للتجارة العالمية. فعندما تعتقد سلطات دولة ما أن شريكا تجاريا ينتهك قواعد متفق عليها بشكل متبادل، يصبح بوسعها أن تحيل قضيتها إلى منظمة التجارة العالمية. ثُم تنظر لجان التحكيم في منظمة التجارة العالمية في الحجج التي يسوقها كل جانب، وتفرض العقوبات إذا اقتضى الأمر. ومن جانبها، فازت الولايات المتحدة بأكثر من 90 % من قضايا تسوية المنازعات التي أقامتها.
مثلها كمثل النابض الأساسي في ساعة ميكانيكية، تعمل منظمة التجارة العالمية كمنظم داخلي لنظام التجارة العالمية. وهي ليست مرئية، لكنها ضرورية للغاية للحفاظ على عمل الآلية.
ولكن رغم أهمية منظمة التجارة العالمية الحيوية، فإنها الآن تتعرّض لمخاطر تضعف من قوتها. ويتمثل التهديد الأكثر إلحاحا في آلية تسوية المنازعات. ذلك أن نظر أي دعوى يتطلب توفر ثلاثة قضاة تحكيم على الأقل، لكن إدارة ترامب كانت حريصة على عرقلة كل المرشحين الذين يمكنهم أن يحلوا محل أولئك الذين انتهت ولاياتهم. وبمجرد أن يكون النصاب غير مكتمل، يصبح من غير الممكن نظر أي دعوى، وربما تبدأ بعض الدول في انتهاك قواعد منظمة التجارة العالمية وهي تعلم أنها آمنة من العقاب. يتمثل تهديد آخر مهم لإطار منظمة التجارة العالمية في استخدام إدارة ترامب للفقرات الخاصة بالأمن القومي لتبرير تعريفاتها التمييزية على الواردات من الفولاذ والألمنيوم. فمن الواضح أن الولايات المتحدة لا تواجه تهديدا حقيقيا لأمنها الوطني من حلفاء مثل كندا أو اليابان، وهذا يعني أن تعريفاتها كانت بكل تأكيد خرقا لروح قواعد منظمة التجارة العالمية -وربما حتى حرفية قواعدها.
لقد قوضت التعريفات الجمركية الأمريكية بالفعل النمو العالمي وأضعفت منظمة التجارة العالمية. وفي عالَم سلاسل العرض والإمداد العابرة للحدود والترابط المتبادل المتزايد، سيؤدي التعطيل غير الضروري لتجارة الحديد والصلب إلى تراجع الإنتاج ليس فقط في الدول المصدرة، بل وأيضا في الولايات المتحدة. وتتفاقم خطورة الوضع في ظل احتمالات اتخاذ دول أخرى لتدابير انتقامية.
في كل الأحوال، يكاد يكون من المؤكد أن التعريفات التمييزية ستفشل في تحقيق هدف ترامب المعلن: تقليص اختلالات التوازن التجاري الثنائي بين الولايات المتحدة وغيرها من الدول. يمثل رصيد الحساب الجاري لأي دولة الفارق بين المدخرات المحلية (العامة والخاصة) والاستثمار المحلي. وما لم ترتفع المدخرات أو تنخفض الاستثمارات، فلن يتسنى تضييق فجوة الحساب الجاري.
إن أي محاولة ترمي إلى تقويض التجارة العالمية -المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي العالمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية- من شأنها أن تفرض حتما تكاليف باهظة على الجميع، بما في ذلك قاعدة ترامب السياسية من المنتمين إلى الطبقة العاملة. ويتعيّن على المجتمع الدولي، بعيدا عن الولايات المتحدة، أن يتصدى لترامب وأن يُعيد التأكيد على مبادئ النظام المفتوح متعدد الأطراف -قبل أن يفوت الأوان.

كبيرة الاقتصاديين بالبنك الدولي سابقا،
والنائبة الأولى لمدير صندوق النقد الدولي سابقا.