جرس إنذار يساري

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ١٩/سبتمبر/٢٠١٨ ٠٣:٠٢ ص

كريستوبال ريفيرا

إن الأحزاب الديمقراطية الاشتراكية حول العالم في وضع صعب ففي الانتخابات وفي ألمانيا كذلك حصل الحزب الديمقراطي الاشتراكي الألماني على 20 % من الأصوات فقط في الانتخابات الفيدرالية الألمانية في الخريف الفائت – أسوأ نتيجة للحزب في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية كما حصل حزب العمال الاشتراكي الإسباني على حوالي 20% من الأصوات فقط خلال الانتخابات الرئاسية في سنتي 2015 و 2016 وهي نصف حصته من الأصوات قبل عشر سنوات.

في الوقت نفسه وفي كل بلد من تلك البلدان فإن الأحزاب اليسارية الشعبوية قد تمكنت من الحصول على حصة مهمة من الأصوات فلقد صوت عشرون بالمائة من الناخبين الفرنسيين لجان لوك ميلونشون من حركة فرنسا الأبية سنة 2018 كما صوت 9% من الألمان للحزب اليساري الألماني كما دعم 21% من الإسبان حزب بوديموس.

إن هناك عدداً متزايداً من المحللين والأكاديميين يعتقدون الآن بأن الشعبوية اليسارية هي أفضل استراتيجية لإعادة اليسار للسلطة وتطبيق سياسات تساعد ما يطلق عليهم «الخاسرين» من عولمة الليبرالية الجديدة وفي كتابها الجديد من أجل الشعبوية اليسارية تجادل شانتال موفيه من جامعة وستمنستر بأن «الشعبوية اليسارية وهي عبارة عن إستراتيجية منطقية لبناء جبهة سياسية بين الناس وبين الأقلية الحاكمة تشكل في ظل الظروف الحالية هذا النوع من السياسات الذي نحتاج إليها من أجل استعادة الديمقراطية وتعزيزها».
إن من الملفت للنظر أن موفيه تخصص فصلاً كاملاً من كتابها لاستخلاص الدروس من الحقبة الثاتشرية ولكنها تتجاهل العديد من الأمثلة العملية من حول العالم على الحكومات اليسارية الشعبوية في السنوات الأخيرة علما أن أشهر تلك الحكومات تضم فترة الرئيس الأكوادوري رافيال كوريا من سنة 2007 إلى 2017 والحكم الوحشي لفترة لهيوجو تشافيز وخليفته نيكولاس مادورو في فنزويلا وإدارة الرئيس ايفو موراليس في بوليفيا.
إن هذا يعني أن موفيه تحصر تحليلها بأوروبا الغربية وعلى الرغم من بعض التشابه فإنها تعتقد أن الأنواع المختلفة من اليسارية الشعبوية حول العالم «بحاجة إلى فهمها طبقاً لسياقاتها المختلفة» ولكن بينما من الصحيح القول بأن نزعات الشعبوية اليسارية في أمريكا اللاتينية وأوروبا الغربية ليست متطابقة، إلا أنه من غير الممكن الفصل بينها وفي واقع الأمر فإن الشعبويين اليساريين في أوروبا الغربية كانوا يستمدون الإلهام في كثير من الأحيان من نظرائهم في أمريكا اللاتينية.
على سبيل المثال اينجو ايريجون وهو العقل المدبر للإستراتيجية الأصلية الانتخابية لحزب بوديموس كان قد كتب رسالة الدكتوراه الخاصة به عن صعود مورالس والذي يعترف علنا بأنه معجب به وبنفس الطريقة فلقد دافع ميلونشون مراراً وتكراراً عن التشافيزية ونظام مادورو وفي سنة 2017 اقترح في بيانه الانتخابي بأن تنضم فرنسا للتحالف البوليفاري لشعوب أمريكا وهي مؤسسة حكومية دولية أنشأها الكوبي الراحل فيدل كاسترو وتشافيز سنة 2004.
لقد اشتركت موفيه وايرجون سنة 2016 في تأليف كتاب يناقشان فيه تجربة بوليفيا تحت ظل حكم موراليس وفي كتابها الجديد فإن ميلونشون هو من بين الأشخاص الذين وجهت إليهم الشكر في مقدمة الكتاب وحتى لو قامت بتجاهل الإشارة إلى الجذور الأمريكية اللاتينية للشعبوية اليسارية في أوروبا الغربية.
لكن عندما نتفحص السجل الحافل للشعبوية اليسارية في أمريكا اللاتينية المعاصرة، نجد صورة مرعبة ففي مراجعة خاطفة للأوراق البحثية نجد أن مثل تلك القوى قد دمرت ديمقراطيات بلدانها منذ بداية القرن.
عندما وصل كل من كوريا وتشافيز وموراليس للسلطة، قاموا على الفور بتطبيق إصلاحات دستورية رئيسية وذلك من خلال استفتاءات وفي كل بلد من تلك البلدان فإن الدساتير الجديدة لم تضعف سلطة النخب القديمة فحسب ولكنها حدت بشكل كبير من قدرة أحزاب المعارضة على التنافس بشكل عادل. لقد أطلق المدير التنفيذي لمنظمة هيومن رايتس ووتش لحقوق الإنسان –فرع أمريكا عدة تحذيرات خلال العقد الفائت عن تدهور حكم القانون تحت حكم كوريا وتشافيز/مادورو وموراليس.
إن لفنزويلا دوراً بارزاً في هذا الخصوص فالقضاء قد فقد استقلاليته وأنتشر الفساد وأصبح التضخم خارج السيطرة وكما ذكر مدير قسم الأمريكيتين في منظمة امنستي انترناشونال لحقوق الإنسان فإن «الناس في فنزويلا يفرون من وضع مأساوي نتج عنه تحول حالات صحية يمكن معالجتها الى مسألة حياة أو موت». وأضاف أنه تحت حكم مادورو «فإن الخدمات الصحية الأساسية قد انهارت كما أن العثور على الأدوية الأساسية قد أصبح معاناه مستمرة مما أجبر الآلاف الناس على السعي للحصول على الرعاية الصحية في الخارج».
إن من الواضح أن التجربة الأخيرة لأمريكا اللاتينية مع الشعبوية اليسارية كانت كارثية بحق وأولئك الذين يدعمونها بحجة «استعادة الديمقراطية وتعزيزها» يتوجب عليهم الاعتراف بهذه الحقيقة ولقد أكدت دائما في أبحاثي الخاصة على أهمية فحص العلاقة بين الشعبوية والديمقراطية باستخدام التجربة العملية والسبب بسيط وهو أنه على الرغم من أن الشعبوية قد تعزز الديمقراطية، إلا إنها يمكن أن تشكل كذلك تهديداً خطيراً لها.
إن الفحص الموضوعي والمبني على التجربة العملية لتجارب بوليفيا والاكوادور وفنزويلا سيظهر أن الثمن كان باهظاً جداً نتيجة للسياسات الشعبوية الشمولية بالاسم حيث تمكن موراليس وكوريا ومادورو من إلحاق ضرر دائم بالمبادئ والمؤسسات الديمقراطية في بلدانهم ولقد أظهر مادورو على وجه الخصوص أن ثمن مساعدة «الخاسرين» المفترضين يمكن أن يكون إيجاد المزيد منهم.

أستاذ العلوم السياسية في جامعة دييجو بورتاليس في سانتياجو في تشيلي.