استعدوا للذكاء الصناعي

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ١٢/سبتمبر/٢٠١٨ ٠٤:٤٠ ص

جاك بوغين
نيكولاس زيبروك

مثله كمثل أي اتجاه تحويلي، يقدم لنا صعود الذكاء الصناعي فرصا كبرى ويفرض علينا تحديات خطيرة. لكن أعظم هذه المخاطر جسامة قد لا تكون تلك الأكثر تداوى في المناقشات.

وفقا لبحث جديد من معهد ماكينزي العالمي، يملك الذكاء الصناعي القدرة على تعزيز الإنتاجية الاقتصادية الكلية بشكل كبير. فحتى مع وضع تكاليف الانتقال وتأثيرات المنافسة في الحسبان، من الممكن أن يضيف الذكاء الصناعي نحو 13 تريليون دولار أمريكي إلى الناتج الإجمالي بحلول العام 2030 وأن يعزز الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنحو 1.2 % سنويا. وهذا أشبه ــ أو حتى أكبر من ــ التأثير الاقتصادي الذي خلفته التكنولوجيات ذات الأغراض العامة في الماضي، مثل الطاقة البخارية خلال القرن التاسع عشر، والتصنيع في القرن العشرين، وتكنولوجيا المعلومات في القرن الحادي والعشرين.

لعل أكثر المخاوف إثارة للمناقشة حول الذكاء الصناعي هو احتمال يتمثل في حلول الآلات الذكية محل عدد من الوظائف أكثر من تلك التي توفرها. لكن أبحاث معهد ماكينزي العالمي وجدت أن تبني الذكاء الصناعي قد لا يخلف تأثيرا كبيرا على صافي العمال في الأمد البعيد. ذلك أن الاستثمار الإضافي في هذا القطاع قد يساهم بنحو 5 % في تشغيل العمالة بحلول عام 2030، وقد تؤدي الثروة الإضافية التي ينشئها القطاع إلى دفع الطلب على العمالة إلى الارتفاع، وتعزيز تشغيل العمالة بنحو 12 % أخرى.
ولكن برغم الصورة العامة الإيجابية، فإن الأخبار ليست كلها طيبة. فبادئ ذي بدء، قد يستغرق الأمر بعض الوقت قبل أن تصبح فوائد الذكاء الصناعي ــ وخاصة في ما يتصل بالإنتاجية ــ محسوسة. والواقع أن أبحاث معهد ماكينزي العالمي تشير إلى أن إسهام الذكاء الصناعي في النمو ربما يكون بحلول العام 2030 أعلى بنحو ثلاثة أمثال أو أكثر مقارنة بإسهامه على مدار السنوات الخمس المقبلة.
ويتماشى هذا مع ما يسمى مفارقة الكمبيوتر سولو: حيث تتأخر مكاسب الإنتاجية عن التقدم التكنولوجي ــ وهي ظاهرة ملحوظة خلال الثورة الرقمية. ويرجع هذا جزئيا إلى حقيقة مفادها أن الاقتصادات تواجه في البداية تكاليف تنفيذية وانتقالية عالية، والتي تميل تقديرات الأثر الاقتصادي للذكاء الصناعي إلى تجاهلها. وتشير محاكاة معهد ماكينزي العالمي إلى أن هذه التكاليف سوف تربو على 80 % من إجمالي المكاسب المحتملة في خمس سنوات، لكنها سوف تنخفض إلى ثلث تلك المكاسب بحلول العام 2030.
الميزة الأكثر إثارة للانزعاج في ثورة الذكاء الصناعي هي أن تقاسم فوائده من غير المحتمل أن يجري على نحو منصف. وسوف تعزز «انقسامات الذكاء الصناعي» الناتجة عن ذلك الانقسامات الرقمية التي تعمل بالفعل على توسيع فجوة التفاوت الاقتصادي وتقويض المنافسة. وقد تنشأ هذه الانقسامات في ثلاثة مجالات.
سوف ينشأ الانقسام الأول على مستوى الشركات. ذلك أن الشركات المبدعة الرائدة التي تتبنى تكنولوجيات الذكاء الصناعي بشكل كامل ستتمكن من مضاعفة تدفقاتها النقدية بين الآن وعام 2030 ــ وهي النتيجة التي سيتبلور عنها تشغيل عدد أكبر كثيرا من العمال. وسوف تسبق هذه الشركات نظيراتها غير الراغبة أو غير القادرة على تنفيذ تكنولوجيات الذكاء الصناعي بنفس المعدل. والواقع أن الشركات التي لا تتبنى الذكاء الصناعي على الإطلاق ربما تشهد انخفاضا بنحو 20 % في تدفقاتها النقدية مع خسارتها لحصتها في السوق، مما يفرض عليها من الضغوط ما يحملها على الاستغناء عن العمال.
يتعلق الانقسام الثاني بالمهارات. فسيؤدي انتشار تكنولوجيات الذكاء الصناعي إلى تحويل الطلب على العمل بعيدا عن المهام المتكررة التي يمكن أداؤها آليا أو عن طريق منصات خارجية، ونحو مهام ذات دوافع اجتماعية أو إدراكية. وتشير نماذج معهد ماكينزي العالمي إلى أن ملامح الوظائف التي تتسم بمهام متكررة ومعرفة رقمية ضئيلة قد تنخفض من نحو 40 % من إجمالي العمال إلى ما يقرب من 30 % بحلول العام 2030. من ناحية أخرى، من المرجح أن ترتفع حصة الوظائف التي تستلزم القيام بأنشطة غير متكررة أو تتطلب مهارات رقمية عالية المستوى من نحو 40 % إلى أكثر من 50 %.
وقد يساهم هذا التحول في زيادة الفوارق في الأجور، حيث من المحتمل أن يتحول نحو 13 % من إجمالي فاتورة الأجور إلى وظائف غير متكررة تتطلب مهارات رقمية عالية المستوى، مع ارتفاع الدخول في مثل هذه المجالات. وربما يعاني العاملون في فئات الوظائف المتكررة والمهارات الرقمية المتدنية من ركود أو حتى انخفاض في الأجور، مما يساهم في انحدار حصتهم في فاتورة الأجور الإجمالية من 33 % إلى 20 %.
وقد بات الانقسام الثالث المرتبط بالذكاء الصناعي ــ بين الدول ــ واضحا بالفعل، ويبدو أنه يتجه نحو الاتساع. فسوف تتمكن الدول القادرة على ترسيخ نفسها في ريادة الذكاء الصناعي، وأغلبها في العالَم المتقدم، من الاستحواذ على 20 % إلى 25 % إضافية من الفوائد الاقتصادية مقارنة باليوم، في حين قد تحصل الاقتصادات الناشئة على 5 % إلى 15 % إضافية فقط.
تتمتع الاقتصادات المتقدمة بمزية واضحة في تبني الذكاء الصناعي، لأنها كانت سابقة في تنفيذ التكنولوجيات الرقمية الفائتة. وهي أيضا لديها حافز قوي لتبني الذكاء الصناعي: انخفاض نمو الإنتاجية، والشيخوخة السكانية، وتكاليف العمل المرتفعة نسبيا.
على النقيض من هذا، تفتقر العديد من الاقتصادات النامية إلى البنية الأساسية الرقمية الكافية، وتعاني من ضعف الإبداع والقدرة الاستثمارية، فضلا عن قاعدة المهارات الهزيلة. أضف إلى هذا التأثيرات المثبطة المتمثلة في انخفاض الأجور والمسافة البعيدة التي يلزم قطعها للحاق بالإنتاجية، فيتبين لك أنه من غير المرجح أن تتمكن هذه الاقتصادات من مواكبة الاقتصادات المتقدمة في تبني الذكاء الصناعي.
الواقع أن نشوء أو اتساع هذه الانقسامات في الذكاء الصناعي ليس حتميا. فبوسع الاقتصادات النامية بشكل خاص أن تختار اتباع نهج فكري تقدمي يشمل تعزيز أسسها الرقمية وتشجيع تبني الذكاء الصناعي بقوة. ولضمان تلبية احتياجات بيئة العمل المتغيرة، تستطيع الشركات أن تضطلع بدور أكثر نشاطا وفعالية في دعم تطوير التعليم وتوفير التعلم المستمر للعمال من ذوي المهارات المتدنية.
وهذه الانقسامات، فضلاً عن ذلك، ليست تطورا سلبيا بالضرورة. ذلك أن إعادة تخصيص الموارد نحو الشركات الأعلى أداء من شأنها أن تجعل الاقتصادات أكثر صحة، بل وربما تزودها بمزايا تنافسية جديدة في مواجهة دول أخرى.
ولكن لا ينبغي التهوين من شأن المخاطر التي تفرضها هذه الانقسامات. والبصيرة والمثابرة من الضرورات الأساسية لإنجاح ثورة الذكاء الصناعي، لأنها ستجلب آلاما قصيرة الأجل قبل أن تسمح بتحقق المكاسب الطويلة الأجل. وإذا حدثت الآلام على خلفية من الإحباط في ظل توزيع غير متكافئ لفوائد الذكاء الصناعي، فربما تشعل شرارة ردة فعل عنيفة ضد التكنولوجيات التي يمكنها أن تنتج لولا ذلك دورة حميدة من الإنتاجية الأعلى، ونمو الأجور، وتعزيز الطلب على العمال.

جاك بوغين: مدير معهد ماكينزي العالمي

نيكولاس زيبروك: استاذ في الابتكار

واستراتيجية تكنولوجيا المعلومات