رأسمالية الدولة

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ١١/سبتمبر/٢٠١٨ ٠٤:٤٠ ص
رأسمالية الدولة

اليسا أميكو

إن سقوط جدار برلين قبل 30 سنة تقريبا كان يمثل ذروة تراجع دور الدولة من الاقتصاد العالمي والذي عكس هزيمة الاقتصاد الاشتراكي فعليا على مستوى العالم فمن فرنسا سيطرة الدولة على الأمور الاقتصادية والاجتماعية إلى الصين الشيوعية بدأت تلك الدول والتي تتبع نماذج متباعده بشكل كبير بتبني مقاربة لعمل سياسات قائمة على الحرية الاقتصادية ومبنية على فكرة انه كلما قل تدخل الدولة كلما كان ذلك أفضل.

وفي خضم التراجع العالمي لاقتصاد الدولة والاقتصاد الاشتراكي، تم تخصيص بعض الشركات التي تملكها الدولة بشكل تام ولكن الأغلبية الساحقة من «جواهر التاج» بقيت جزئيا في أيدي الحكومات مع شريك خاص إستراتيجي أو مستثمرين من القطاع الخاص يستحوذون على حصص من خلال أسواق رأس المال وبغض النظر عن شكل التخصيص فهو لم يعبر عن توجه فلسفي فحسب، بل كان له تداعيات اقتصادية واسعة النطاق ليس أقلها تلك المتعلقة بأسواق الأوراق المالية والتي انتعشت مجددا من خلال إدراج الشركات التي تملكها الدولة في بلدان مختلفة تماما عن بعضها مثل إيطاليا ومصر.

لكن مع بداية الألفية، توقف تراجع الدولة من الاقتصاد بشكل ملحوظ فنجاح اقتصادات مثل الصين والتي تحرك التنمية الاقتصادية من خلال شركات تملكها الدولة والإمارات العربية المتحدة والتي تحرك التنوع الاقتصادي من خلال صناديق الثروة السيادية العائدة لها قد أثار أسئلة قوية تتعلق بفاعلية النمو الذي يقوده القطاع الخاص.
لقد سعت العديد من الحكومات لنسخ التجربة الصينية المتعلقة بالشركات التي تملكها الدولة والتجربة السنغافورية المتعلقة بصندوق الثروة السيادية تيماسيك. أما في الشرق الأوسط على سبيل المثال فلقد ظهرت في السنوات الأخيرة ثورة اقتصادية هادئة تحركها الدولة كما هو الحال في بروز دبي كأكبر مركز على مستوى العالم بالنسبة للسفر الجوي العالمي والتي تفوقت مؤخرا على مطار هيثرو في لندن.
إن إمكانية طرح أسهم أرامكو السعودية وهي شركة النفط السعودية المملوكة للدولة يبدو انه يوحي بأنه لم يتم التخلي تماما عن التخصيص، إلا أن هناك توجها أوسع وربما أكثر أهمية وهو عوضا عن التخصيص، بدأت الحكومات حول العالم وبشكل متزايد بالبحث عن أساليب للتعامل مع الضعف الدائم لشركاتها المملوكة للدولة بما في ذلك تخلفها فيما يتعلق بحوكمة الشركات والإنتاجية المنخفضة والابتكار المتدني. ومن أجل ذلك فقد تطورت تركيبة الثروة السيادية من نموذج قديم لملكية الدولة السلبية إلى نموذج يقر بحقيقة أن بقاء الشركات التي تملكها الدولة يعتمد على قدرتها على المنافسة عالمياً. إن وضع الشركة التي تملكها الدولة الاحتكاري أو القائم على احتكار الأقلية في الوطن لم يعد يضمن تنافسية تلك المؤسسة وخاصة في سياق التقنيات الجديدة التي تغير الوضع القائم والعابرة للحدود وعلى المدى الطويل فإن الحماية الحكومية لن تساعد شركة اتصالات تملكها الدولة على مقاومة شركات مثل سكايب وواتساب وفايبر.
رداً على هذا التحدي، تركز الحكومات بشكل أقل على التخصيص مقارنة بالتحديث فالعديد من الشركات التي تملكها الدولة وصناديق الثروة السيادية قامت مؤخرا بتأسيس أذرع لرأس المال الاستثماري وذلك من أجل استهداف الشركات عالية التقنية التي تنتج الابتكارات التي تعكس أنشطتها التجارية الأساسية فعلى سبيل المثال قامت شركة تيليكوم السعودية بإطلاق شركة س تي سي فينشرز وذلك لاستثمار أموال الشركة بالإضافة الى السعي وراء فرص في تقنيات حديثة ومبتكرة وبالمثل قامت مؤسسة دبي للاستثمار وهي واحدة من صناديق الثروة السيادية الإماراتية باستثمار 47 مليون دولار أمريكي في آنديجو وهي شركة ناشئة مختصة بالتقنية الزراعية ومقرها بوسطن.
لكن وعلى الرغم من ذلك فإن الشركات التي تملكها الدولة وصناديق الثروة السيادية لديها خبرة محدودة في قطاع التقنية وثقافتها التجارية جامدة مقارنة بالشركات التي تستهدفها . إن الإشراف على حوكمة شركات عالية التقنية يتطلب مجموعة مهارات مختلفة تماما عن إدارة المشاريع المشتركة مع الشركاء الأجانب وهي حرفة أصبحت الشركات التي تملكها الدولة وصناديق الثروة السيادية تتقنها تماما مؤخرا وبالتالي من أجل الحصول على الخبرة اللازمة ، قام صندوق الاستثمار العام السعودي بتأسيس شراكة مع شركة سوفتبانك اليابانية كما قامت شركة استثمار أبو ظبي مبادلة بإبرام اتفاقية مع الأدوات الاستثمارية التي تدعمها الدولة الفرنسية وهي سي دي سي انترشاونال كابيتال وببيفرانس.
وحتى مع وجود المعرفة فإن حوكمة الشركات عالية التقنية مثل فايسبوك وسنابتشات يمكن ان تشكل تحديا إضافيا وذلك نظرا لإن مؤسسي الشركات التقنية والمستثمرين السياديين عادة ما يفضلون مستوى أعلى من التحكم العملياتي وبالإضافة الى مسألة التحكم فإن الاستحواذ على الشركات التقنية يتطلب كذلك أن تتبنى الشركات التي تملكها الدولة وصناديق الثروة السيادية نهجا مختلفا فيما يتعلق بإدارة المخاطر وذلك نظرا للطبيعة غير المستقرة للتقييم في هذا القطاع.
إن المستثمرين السياديين في الأسواق الناشئة لديهم الكثير مما يتعلموه في هذا الخصوص من الصين حيث نشطت الشركات التي تملكها الدولة في الاستحواذ على شركات التقنية حول العالم وبعد حصول بعض الإشكاليات في السنوات الأخيرة، أصدرت وزارة المالية الصينية الآن تعليمات لتخفيف المخاطر للشركات التي تملكها لدولة والتي تسعى لعمليات الاستحواذ الأجنبية.
وحتى لو فضلت العديد من صناديق الاستثمار في الأسواق الناشئة أن تبقى عبارة عن مستثمرين صامتين وغير مصوتين مع حصص سلبية في الشركات الأجنبية ، إلا أن الاندفاع الحالي تجاه الاستحواذ في القطاع التقني يتطلب أن تكتسب تلك الصناديق فهما أفضل لحقوقها كمساهمين كما يتطلب كذلك أن تدرب فرقها من أجل اكتساب المزيد من الخبرة الاستثمارية والتنسيق بشكل وثيق مع المستثمرين المحليين الآخرين وذلك حتى يكون للاستحواذ تأثير متعدد على الاقتصادات الوطنية الخاصة بها.
مع انخفاض نشاطات الأسهم الخاصة في الشرق الأوسط وغيرها من الأماكن في السنوات الأخيرة وذلك بسبب تداعيات قصة شركة أبراج كبيتال، فإن من المرجح أن تستمر الشركات التي تملكها الدولة وصناديق الثروة السيادية في المنطقة في تأسيس أدوات للأسهم الخاصة عائدة لها ومن خلال الاستثمارات السيادية في الشركات عالية التقنية فإن بإمكان صناع السياسات تحقيق تأثيرات إيجابية متعددة بما في ذلك ما يتعلق بأسواق رأس المال والتي تم تطويرها سابقا من خلال التخصيص.
على سبيل المثال، فإن من الممكن أن تدرج الشركات التي تملكها الدولة صناديق الأسهم الخاصة التي تؤسسها بينما تقوم بإعداد شركات عالية التقنية المحلية التي تستثمر بها من اجل إدراج أنفسها.
إن هذا يمكن أن يفيد أسواق الأسهم المحلية مثل الفائدة التي تحققت عندما تم إدراج الشركات التي تملكها الدولة نفسها وحتى يمكن ان تكون فائدة ذلك أكبر وذلك نظرا لأن التبادلات الآن تتضمن فئات إدراج متخصصة تتجه نحو اجتذاب شركات مبتكرة.
على أي حال فإن التركيز فقط على تخصيص الشركات التي تملكها الدولة يعطي انطباعاً خاطئاً بتوجه رأسمالية الدولة في الأسواق الناشئة فرأسمالية الدولة 2 لا ترتكز على التقليل من ملكية الحكومة، بل على إعادة التخطيط وذلك حتى تتلاءم مع مستقبل الاقتصاد العالمي. إن هذا التحول هو أساسي لبقاء ملكية الدولة وهو يتطلب أن يعيد المستثمرون السياديون التفكير في نموذج الحوكمة التقليدي. لو أرادت الشركات التي تملكها الحكومة أن لا تنقرض مثل الديناصورات، فإنها تحتاج أن تتعلم ليس فقط الرقص مع الشركاء الأجانب ولكن أيضا كيفية السقوط والنهوض مجددا وتجربة حركات جديدة.

مديرة تنفيذية لجوفرن وهي مركز للحوكمة الاقتصادية والتجارية.