
محمد محمود عثمان
تحرص كل الحكومات على دفع الاستثمارات والصناعة الوطنية في مختلف مجالاتها، والتواصل مع المستثمرين لحل مشاكلهم وتذليل المعوقات كافة؛ نظراً لأهمية مختلف قطاعات الصناعة في تحريك وتنشيط الاقتصاد، لأنها الأقدر على رفع معدلات النمو، وتوفير فرص العمل، وزيادة الصادرات، التي تعد أحد أهم دعائم الاقتصاد القومي، ومن الركائز الأساسية لتوفير العملات الأجنبية، ولكن للأسف أننا في البلاد النامية تتميز بالقدرة الفائقة على صنع العقبات والمحبطات، بل وفي وضع الكثير من العراقيل والقيود على انطلاق الاستثمارات في هذا القطاع وغيره من القطاعات التي يمكن الاستثمار فيها، من خلال قوانين بالية تحمل في مجملها أو بين السطور المعاناة الدائمة من الروتين والتعقيدات البيروقراطية المرئية والمخفية، من خلال منظومة لوائح وتشريعات أبسط ما يمكن وصفها بأنها مُنفرة وطاردة للمستثمرين، بعد ما جعلت الحكومات من نفسها وصياً على المستثمرين الأجانب أو الذين يفكرون في الاستثمار، وتملي عليهم تعليمات ووصايا بزعم التأكيد على الجدية وخوفا من فشل المستثمر أو تحقيق الخسائر، رغم أن المستثمر هو الأقرب والأكثر حرصا ووعيا ورغبة في النجاح وتحقيق الأرباح، ولكن الدول التي تسعى للتقدم وجذب الاستثمارات الصناعية أو السياحية أو غيرها، والتي تتمتع بالأمن والاستقرار السياسي، تطرح رؤى وأفكارا من خارج الصندوق، فتترك للمستثمر حرية الدخول في المجال الذي يعمل به أو الخروج منه، وحرية تقدير قيمة الاستثمارات التي يرغب في المشاركة بها، وحرية إدارة مشاريعه وأعماله وحرية التوظيف دون تحفظات، ومن غير أي تدخلات أو فرض شروط من أي نوع، طالما لا تتعارض مع سلامة البيئة أو السلامة المهنية أو قيم المجتمع، ولا مع الأغراض الأساسية للنشاط الذي يطلبه المستثمر، تحت شعار «الاستثمار بمجرد الإخطار» خاصة في المناطق الحرة، التي تعرض أولويات مشاريعها المطلوب الاستثمار فيها، ودراسات الجدوى الاقتصادية الخاصة بها، ويكون الشرط الوحيد والملزم للمستثمر هو سرعة بدء المشروع بعد الإخطار مستخدما أحدث التكنولوجيا المتطورة، بدون تأخير أو تلكؤ، ومن ثم يكون المستثمر مسؤولا عن تقدم ونجاح استثماراته، بما يعد إضافة جيدة للاقتصاد، ويكون دور الحكومات هو تقديم التسهيلات والمحفزات والسياسات المالية، وتبسيط وتعديل القوانين واللوائح الضريبية، المتمثلة في آليات النظام الضريبي والجمركي، ومعدلات الفائدة وتسهيل تحويل الأرباح أو رؤوس الأموال للخارج، ودعم المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر وربطها بالمشاريع الاستثمارية الجديدة، وتخليص المؤسسات الحكومية من التعقيدات والروتين، وميكنة المعاملات وتحديد وقت إنجازها من خلال النافذة الواحدة، والربط الإلكتروني بين جميع المنافذ الجمركية، وتقليل الموافقات وسرعة إنجازها واختصار الوقت، وتنظيم سوق العمل وفق معايير منظمة العمل الدولية، ومؤسسات حقوق الإنسان، لإحداث تطور نوعي وإيجابي لتوفير مناخ استثماري صحي ومنافس، يسهم في جذب استثمارات أجنبية جديدة، إلى جانب تنشيط الاستثمارات المحلية، وعدم التخوف من أهداف المستثمرين لأن المستثمر إذا فكر في الخروج أو حتى الهروب، لا يستطيع أن يأخذ معه المنشآت والمعدات والمصانع والمباني التي أقامها في البلاد، ويبقى دور الحكومات في إعداد البنية التحتية، إلى جانب الرقابة على المواصفات والمقاييس العالمية، والتصدي لعمليات الغش التجاري والفساد الإداري، والعمل الدؤوب على توفير القوى العاملة الوطنية الماهرة والمدربة التي يحتاجها سوق العمل، والقادرة على المنافسة التي تُفرض عليها في ظل العولمة، وتوفير مأذونيات العمل في التخصصات التي يحتاجها المستثمر بدون إبطاء أو تأخير، وعدم ربطها في بداية المشاريع بشروط توطين الوظائف، بالإضافة إلى الاهتمام بالمحفزات غير المباشرة لجذب الاستثمارات من خلال منظومة القضاء وآليات الفصل في المنازعات وسرعة الفصل فيها، ونظافة الشارع، وحركة المرور وسهولتها، ووسائل المواصلات والاتصالات المتاحة وشبكة الطرق، وسرعة الإنترنت وجاهزية سوق الصرف وتعاملات البنوك وتوافقها مع التقنيات الحديثة وقدرتها على التمويل، وتيسير إجراءاته وضماناته، وكذلك شفافية وسائل الإعلام وقوتها وموضوعية وصدق التناول للأحداث والحياة الاقتصادية بشكل خاص، باعتبارها من المؤشرات الحقيقية لقوة الاقتصاد، لأنها من الأمور التي تمثل تحديا كبيرا، وتأخذ حيزا أكبر في عقل وفكر المستثمرين الأجانب قبل اتخاذ القرار الاستثماري سلبا أو إيجابا، ومن المؤسف أن الاقتصاديات النامية، لا تضع ذلك في حساباتها الحالية أو المستقبلية، لتظل غارقة في حفرة القوانين والإجراءات العتيقة التي بلى عليها الزمن، ولم تعد مناسبة لمتطلبات العصر وديناميكيته، ولذلك لم تتقدم خطوة للأمام ولن تتقدم إذا ظلت تدور في تلك الدوامة.
محمد محمود عثمان
mohmeedosman@yahoo.com