مصاصو الدماء..

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٠٥/سبتمبر/٢٠١٨ ٠٣:٥٨ ص
مصاصو الدماء..

د.لميس ضيف

أطلقت الجمعية الملكية البريطانية حملة فريدة من نوعها لمقاطعة أكبر 5 مواقع على الإنترنت "الفيسبوك، انستغرام، سناب شات، تويتر، ويوتيوب" بدءا من الأحد الفائت ولمدة شهر كامل. للتوعية بمخاطر الإدمان على شبكات التواصل. وقالت شارلى كرمر، المديرة التنفيذية، أن الحملة جاءت بعد دراسات أثبتت أن إدمان السوشيال ميديا لا يقل خطرا وتدميرا عن إدمان التبغ أو الكحول فالقلق والاكتئاب واضطرابات النوم والهوية. كلها أجراس إنذار لهذا الوباء الذي اجتاح العالم.
بالتزامن مع ذلك، نشر خبر يُفيد أن الصين "ذات نفسها" بدأت حربا ضد ألعاب الفيديو رغم كونها صاحبة أكبر سوق للألعاب الإلكترونية. فقد تفشت حالات ضعف النظر لدى الأطفال والناشئة. وخلص تقرير حكومي إلى أن 500 مليون صيني يعانون من ضعف البصر بسبب هذا الإدمان. وقد انخفضت أسهم شركات التكنولوجيا المحلية بعد تقرير من وزارة التعليم الصينية تدعو فيه أولياء الأمور للحد من استخدام أبنائهم لتلك الألعاب محملين تلك التكنولوجيا المسؤولية عن انهيار الصحة البصرية.
وأوقفت الرقابة الصينية، بتوجيه من الرئيس شي جين بينغ لعبتين شهيرتين "مونسترهنتر" و "أونار أوف كينج" بعد تزايد الشكاوى حولهما من أولياء أمور وأفراد وصفوها بأنها "مخدر وسم" وأنهم واجهوا صعوبات في إقناع أبنائهم بتركها لدقائق للاستحمام أو تناول الطعام!
وجه العالم يتغير.. تحول بفضل وسائل الإعلام لقرية كونية صغيرة وها هو يتحول لشاشة هاتف. تتحكم في مَن أمامها ولا يتحكم فيها. وتقصيه عمّن حوله وتعزله عن العالم وتفرغه من طاقته على طريقة مصاصي الدماء.
لقد شاهدت، على مدار سنوات، كيف تراجع مستوى تركيز من تعلقوا بتلك الوسائل. وكيف تراجع ذكاؤهم أيضا. عندما تحشو عقلك بالحوارات التافهة والمقاطع السمجة والألعاب والخزعبلات لا تتوقع أن يستطيع عقلك معالجة المعلومات المهمة في الوقت نفسه وحفظها.
وتبدو المشكلة أكثر شخوصا في الناشئة. الذين يجب أن تفرغ عقولهم للعلم لا لمتابعة فذلكات المشاهير أو محاربة وحوش وهمية تديرها الوحوش الحقيقية التي حققت البلايين من تسخيف الناس وتعويم عقولهم.
مع بدء العام الجديد؛ يحتاج الأبوان أن يحددا أولويات أبنائهما. ويفرضا القوانين على نفسيهما أولا قبل أن يفرضاها عليهم. ندرك أننا متأخرون دوما في كل شيء. ولكننا نستطيع أن نكون سباقين للتحرر من أصفاد هذا الاستنزاف الذي غير معالم حياتنا دون أن ندري.