
يُروى أن ملكاً أمر بقتل أسير عاثر الحظ.. فلما سمع الحكم، واستيقن أنه هالك لا محالة، أخذ يشتم الملك بلغته ويكيل له السباب بأسى وحسرة وهو ينتحب بعد أن انقطع أمله عن الحياة. وممّا هو معروف أنّ كلّ من يقطع أمله من الحياة لا يبالي أن ينطق بما ينطوي عليه فؤاده.
سأل الملك من حوله من الوزراء أن يترجموا له ما يقوله. فانبرى أحدهم، وكان محبا للخير، فقال «أيّها الملك إنّه يقول: (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس).
فأثارت الآية في الملك الشفقة والشهامة في آن فعفا عنه وانفرجت أسارير الأسيرة ببهجة من كُتب له عمر جديد.
وكان في المجلس مستشار لئيم، أراد أن يستغل الفرصة ليزيح الوزير وينال الحظوة عند الحاكم فخطب قائلا: لا يليق بالوزير أن يكذب بحضرة الملك. هذا الأسير شتم الملك بما لا يطيعني لساني على نقله». فغضب الملك وأردف: ربما كذب الوزير ولكن كذبه كان نبيلا وشريفا. أما صدقك فيبطن اللؤم والخسة. لذا قال نزار القباني: «قولي ولو كذباً كلاماً ناعماً». ليت الناس يعرفون تلك الحقيقة. وهو يسارعون في جرح الناس بحجة الصراحة. وفي تدمير علاقات الزملاء بحجة التحذير. وسحق ثقة الآخر بحجة الحرص. الصدق فضيلة – نعم – لكن إن كان له غرض صادق أيضا. أما أن كان بهدف التسلق أو تصفية الحسابات أو تسجيل النقاط فهو أقبح من الكذب بمراحل.
وبالمثل من «يجمل» الحقيقية فهو ليس بكاذب مذموم. عندما تقول لزوجتك أنها أجمل النساء، أو أنها ما زالت شابة لم تغيرها السنون. فأنت لست كاذباً بل أنت محب يعرف أنه يبالغ ويعرف من أمامه أنه يبالغ لترك بصمة طيبة في نفس من أمامه. بالمثل عندما تقول لأحدهم أن فلانا يكرهه. أو يضمر له الحسد، فأنت لست بصادق بل هادم. فبعض الكلام يهدم الجسور وبعضها يبني في القلب القصور.
إن رققت قلب خصمين على بعضهما فأنت لست كاذباً. وإن كان صدقك سيشعل العداء فتأكد بأنه فاسد.
القاعدة الوحيدة الثابتة في الحياة، بأن الحياة بلا قواعد صماء، المعيار الوحيد للمبدأ هو صفاء دوافعه. وصدق الحكماء قديما يوم قالوا: (الكذب الذي يجر من ورائه نفع خير من الصدق الذي يثير فتنة...).
lameesdhaif@gmail.com