ماذا ينتظر اليمنيون من «جنيف 3»؟

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٢٩/أغسطس/٢٠١٨ ٢٣:٥٨ م
ماذا ينتظر اليمنيون من «جنيف 3»؟

علي ناجي الرعوي

ينتظر اليمنيون أن تشكل جولة المفاوضات المقبلة التي سترعاها الأمم المتحدة بين أفرقاء الصراع والحرب في بلادهم والمقررة في جنيف مطلع سبتمبر المقبل انفراجة على المستويين السياسي والعسكري وأن تدفع طرفي النزاع اللذين سيجلسان على طاولة التشاور إلى الإيمان بأن السلام والاستقرار لن يتحققا إلا بقبول كل منهما للآخر وامتثال كل القوى والمكونات اليمنية لمبدأ التعايش في بلد احاقت به كل البلايا والخطوب وتيبست في عروقه علامات الحياة بعد سبع سنوات عجاف لم يعرف فيها لحظة من لحظات الهدوء والفرح.

الأسبوع الفائت وبعد أيام قلائل من انتهاء لقاء المبعوث الأممي الخاص الى اليمن بعدد من الشخصيات اليمنية في قصر (ولتون بارك) بلندن اعلن البريطاني مارتن غريفيث من انه وعلى الرغم من الخلافات والتعقيدات والأجندات المتباينة فان هناك مساع دولية حثيثة على أن توفر المفاوضات المرتقبة بين المتصارعين في اليمن خطوات أساسية تساعد على ايقاف الحرب والتوصل الى حلول عملية تفضي إلى سلام شامل ودائم خصوصا بعد ان نجحت جهود الفريق الاممي في إقناع طرفي النزاع بالعودة إلى طاولة الحوار بعد عامين على آخر محادثات جرت بالكويت لكنها انتهت بالفشل.

وبالتزامن مع حديث المبعوث الأممي حول النتائج المتوخاة من المشاورات اليمنية المقبلة أو ما يعرف اختصارا بـ (جنيف 3 اليمني) اكد السفير الأمريكي في اليمن ماثيو تولر من أن المشاورات اليمنية في جنيف ستتمحور أولا على إعادة بناء الثقة وإطلاق الأسرى والمعتقلين وفتح المطارات أمام الرحلات التجارية والمدنية وفي مقدمتها مطار صنعاء كما ستبحث إجراءات توحيد عمل البنك المركزي بما يمكنه من صرف مرتبات الموظفين قبل أن تنتقل تلك المشاورات الى مناقشة موضوع الحديدة وفك الحصار عن تعز وبلورة أرضية مشتركة لوقف الحرب والاتفاق على الإطار العام للتسوية السياسية والتي سيتم التوافق على تفاصيلها في مفاوضات لاحقة بمشاركة كافة القوى والأحزاب اليمنية وهو ما اعتبره البعض مؤشراً على أن هناك خطة دولية باتت جاهزة ستفرض على أطراف الصراع المحلية وبما يجعل من مشاورات (جنيف 3) مجرد مراسيم شكلية للإعلان عن تلك الخطة ومسارات تنفيذها.
وفي وقت لم تتضح تفاصيل الخطة المقترحة من الفاعلين الدوليين فقد صار من الواضح أن هناك مشروع اتفاق بين المبعوث الأممي ومجلس الأمن وأن غريفيث يسير وفقا لهذا الاتفاق الذي اختزل المشاركة في المشاورات المقبلة على طرفين فقط هما الحكومة الشرعية المدعومة من دول التحالف العربي وسلطة صنعاء ممثلة بحركة أنصار الله وحلفائها من دون دعوة الأطراف الأخرى وهو ما كشف عن أن المبعوث الأممي مارتن غريفيث يتحرك خارج ترتيبات الداخل اليمني وخارج سياق التوقعات وسياق الاعتقادات التي جرى بناؤها وتداولها اعتمادا على تكهنات وقراءات غير دقيقة ففي حين كان سياسيون ومحللون يعتقدون من أن جميع الأطراف اليمنية ستكون حاضرة في المشاورات المقبلة أصر غريفيث على ان تكون هذه الجولة محصورة بالطرفين الأساسين اللذين يتحكمان بمعادلة الحرب والمشهد العسكري في الميدان.
جميل أن يرى اليمنيون طرفي الحرب يجلسان إلى جوار بعضهما البعض بغية الوصول إلى توافق داخلي يجعل المصلحة الوطنية العليا فوق كل الاعتبارات لكنهم يخشون في الوقت ذاته أن ينتهي لقاء جنيف بتلك النهايات المؤسفة التي تمخضت عنها لقاءات بييل وجنيف والكويت سيما وأن من سيحضر المحادثات الجديدة ليسوا جاهزين حتى الآن لتقديم تنازلات جادة وكبيرة من أجل التوصل إلى اتفاق صلب ومستدام وليسوا جاهزين لاتخاذ مواقف تعرض مصالحهم للخسارة قي ظل الفوائد التي تنتجها الحروب الطويلة وكذا شبكة المنافع الشخصية التي تنشأ بين عدد من أصحاب المصالح وهو ما قد يعصف بأية أمنيات بارتفاع هؤلاء المتفاوضين إلى مستوى المسئولية الأخلاقية والوطنية.
مما لاشك فيه أن مجلس الأمن الدولي الذي أقر في يونيو الفائت (إطار عمل) لعملية السلام في اليمن يرغب في أن تستلهم المباحثات اليمنية التي ستبدأ يوم الخميس المقبل الدروس الجيدة والسيئة التي تمخضت عنها الجولات السابقة لكن ما ينبغي أن يدركه الذين سيتوجهون إلى جنيف هو أن ذلك الإطار لم يعد قابلاً للنقاش والمراجعة وأن المطلوب منهم هو التوصل الى اتفاق يتكفل بوقف الحرب والمضي في بناء السلام على اعتبار أن مسألة الأمن والاستقرار في اليمن هي مسألة لا تخص اليمنيين وحدهم وإنما المجتمع الدولي عموما وبالتالي فالذي لن يقبل بالتسوية التي يتحدث عنها غريفيث وبالإطار الذي وضعه مجلس الأمن فإنه الذي قد يتعرض إلى عقوبات دولية سيفرضها مجلس الأمن قسراً ومن دون أي تردد. إن دبلوماسية غريفيث ورحلاته ومشاوراته منذ تعيينه تدل على أن الرجل تباحث مع الجميع حول خطته المسنودة من المجتمع الدولي وهذه الخطة وإن كانت تتجه نحو حلول سياسية تبدأ على مرحلتين إيقاف الحرب أولا ومن ثم الدخول في مرحلة انتقالية تفضي إلى تسوية سياسية واسعة مع ذلك فإن ما يجري في اليمن من حروب على مدى اربع سنوات قد أدى إلى تغيير في معادلات كثيرة على الأرض حيث أضحى البلد مقسما ومفككا بعد أن جرى ملشنة كل شيء فيه بما في ذلك الشوارع والأحياء فلا المناطق الواقعة تحت سيطرة الشرعية والتحالف وجدت سبيلا لحياة آمنة وكريمة ولا المناطق الواقعة تحت إدارة سلطة صنعاء وصلت إلى بوادر للخلاص من أتون أزمات الفقر والجوع التي تطحنها طحن الرحى وهو ما أعاد اليمن كله إلى عصور ما قبل الدولة. سيعود اليمنيون إلى جنيف بعد ثلاثة أعوام قتل فيها الآلاف ودمرت خلالها المزيد من القرى والمدن ومشاريع البنية الأساسية وشردت في سنواتها الغابرة أعداداً هائلة من الأسر حتى بدا العالم يتلمس أسماء المدن والقرى اليمنية المنكوبة التي أصبح ملك الموت فيها أكثر رشاقة ونعومة نتيجة الجحيم المتعاظم فيها.. وما لم يرتفع المتحاربون فوق أطماعهم ومصالحهم الشخصية فإن اليمن سيتحول إلى ساحة للجمعيات الخيرية والإغاثية التي ربما تصبح شريكاً مفيداً لتقديم البرهان على أن اليمنيين تلبستهم حالة قنوط خلقت لديهم نظرة سوداوية تجاه الحياة ولذلك فهم الذين يموتون في حرب عبثية لا تسترها ورقة توت.

كاتب يمني