نعمة الاختلاف

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٢٩/أغسطس/٢٠١٨ ٠٤:٠٢ ص
نعمة الاختلاف

فريد أحمد حسن

من الأمور التي ينبغي أن نقر بها ونعمل على نشرها فيما بيننا هي أن الاختلاف بين البشر رحمة، فلو كان الناس جميعا متشابهين في كل شيء وكانت الأمور متشابهة في كل شيء لما استقامت الحياة، ولولا الاختلاف بين العلماء في التفسير والتأويل لما تمكنا من الوفاء بتعاليم الدين الإسلامي، فالاختلاف المتجسد في المذاهب يتيح فرصة تطبيق تعاليم هذا الدين الحنيف ويجعل كل منتم إلى أي مذهب من تلك المذاهب يشعر أنه يؤدي الذي عليه بالشكل الذي يرضي الخالق.

الاختلاف رحمة، وتوظيف هذه الحقيقة من شأنه أن يوفر علينا جميعا الكثير من الوقت والجهد والكثير من الآلام ويبعدنا عن الخلاف الذي يوقعنا في المحظور وفي الإساءة إلى الدين الذي هو ديننا جميعا وليس دين البعض.

من الأمور التي علينا أن نقر بها أيضاً هي أن «نعمل ليعم السلام بين البشر، فنحن جميعا نرغب في أن تحيا البشرية في سلام وأمان وعدالة ومساواة، وعلينا أيضا أن نعمل على نبذ الكراهية والعنف، وهذا لا يكون إلا بنشر ثقافة التسامح واللاعنف بين الناس... أيا كانت قومياتهم ودياناتهم ومعتقداتهم.. فالاختلاف بين الناس نعمة ينبغي التعامل معها بوعي ومسؤولية» كما يقول د.محمد علي الحسيني أمين عام المجلس العربي الإسلامي في لبنان الذي لا يترك مناسبة إلا ويؤكد فيها على هذه الأساسات التي يهتم بها كثيرا سماحة مفتي السلطنة الشيخ الخليلي وغيره من مشايخ عمان الذين يعملون منذ سنين طويلة على ترسيخ هذه المفاهيم وبنيت عليها سياسات عمان.

في هذا السياق ينقل عن شمس الدين التبريزي (العارف والمتصوف والشاعر الفارسي المسلم والأب الروحي لجلال الدين الرومي) قوله: «لو أراد الله أن نكون متشابهين، لخلقنا متشابهين. لذلك فإنّ عدم احترام الاختلافات وفرض أفكارك على الآخرين، يعني عدم احترام النظام المقدّس الذي أرساه الله»، وهذه حقيقة علينا أيضا أن ندركها جيدا، فالله سبحانه وتعالى هو الذي أرسى هذا النظام وليس لنا إلا أن نحترمه ونتقيد به لنتمكن من العيش بالكيفية التي أرادها سبحانه أن نعيشها فنتمكن من عمارة الأرض والارتقاء بالإنسان.

تحويل نعمة الاختلاف إلى سبب للخلاف فيما بيننا هو الذي يعطل مسيرتنا ويؤذينا، لأن عدم استيعاب هذه النعمة وإدراك أبعادها يعني أننا نعتمد أسلوب إلغاء الآخر فنحوله إلى عدو يقوم هو الآخر بإلغائنا فننشغل جميعاً عن الغاية من وجودنا بالخلاف الذي يدمرنا جميعا ويدمر أوطاننا ويربكنا ويعطل مسيرتنا ويحرمنا من العطاء.

إلغاؤنا للآخر يعني تحويله إلى عدو، وإلغاء الآخر لنا يعني تحويلنا إلى أعداء له، وهذا وذاك يعنيان تحويل الاختلاف الذي هو نعمة وسبب للرحمة إلى نقمة وسبب للشقاء، أما إدراكنا لهذه الحقيقة فيوفر علينا الكثير ويعيننا على أداء المهمة التي خلقنا من أجلها وهي عبادة الله سبحانه وتعالى والتي لا يمكن أن تتحقق بالكيفية المطلوبة إن انشغلنا بمعاداة بعضنا البعض وبإلغاء أحدنا للآخر. أغلب الخلاف بين البشر وبين المسلمين بعضهم البعض هو أنهم لم يستوعبوا أهمية أن يكونوا مختلفين وأن الاختلاف رحمة ونعمة تستوجب الشكر، وأغلب العداء سببه إلغاء طرف لطرف آخر والنظر إليه بفوقية والاعتقاد بأنه على خطأ في كل شيء وأننا على صواب في كل شيء.

من الأمور التي علينا أن نلتفت إليها أن العلماء المتبحرين في علوم القرآن يختلفون في تفسير آيات القرآن الكريم فيفسرون الآية الواحدة تفسيرات عديدة وكل منهم يستنتج أموراً قد يصعب على الآخر استنتاجها. مثال ذلك حكم السارق حيث فسر البعض قطع يد السارق بالقطع من الرسغ وفسره بعض آخر بقطع أطراف الأصابع بحجة أن قطع اليد يحرم المسلم من وضع المساجد السبع (وهي الجبهة والكفين والركبتين وإبهامي الرجلين) على الأرض عند السجود في الصلاة، وفسره بعض ثالث بأن القطع يعني كف الأذى والمنع وليس القطع بمعناه الحرفي. وهكذا في الأمور الأخرى، فللقرآن ظهر وبطن، ومهمة العلماء تبين الظهر وتبين البطن والاستفادة من ذلك في التأليف بين القلوب وتوحيد المواقف (في هذا الخصوص يفسر بعض العلماء الآية الكريمة التي تؤكد أن «الدين عند الله الإسلام» بأنه التسليم والإقرار بوحدانية الله والإقبال على عبادته وليس الدين الإسلامي الذي جاء به خاتم الأنبياء فقط، وأن «من يتخذ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه» لا يعني أن المسيحيين واليهود وغيرهم لن يقبل منهم لأنهم حسب هذا التفسير يسلمون أمرهم إلى الله فهم مسلمون. ولأن هذه الآيات كغيرها لها ظهر ولها بطن لذا فسرها آخرون تفسيرا مختلفا معتمدين الظهر وليس البطن).
هنا مثال آخر. منطقا لا يمكن القول بأن طريقة الوضوء عند أتباع هذا المذهب هي الصحيحة وهي المطلوبة من رب العباد وأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعتمدها، ومنطقا أيضا لا يمكن القول بأن طريقة الوضوء عند أتباع المذاهب الإسلامية الأخرى خاطئة وغير مقبولة من رب العباد وأن النبي الأكرم لم يكن يعتمدها أو أنه نهى عنها. هذا الاختلاف يؤكد المرونة التي يتسم بها الدين الإسلامي ويؤكد أن الاختلاف بين البشر رحمة ونعمة ينبغي المحافظة عليها والاستفادة منها بعدم الانشغال بالتفاصيل على حساب الأساسات وللعمل على تحقيق الغاية التي من أجلها خلق الله سبحانه وتعالى عباده وسائر مخلوقاته.

كاتب بحريني