
علي بن راشد المطاعني
أحد الزملاء والذي كان من المقيمين في السلطنة أرسل لي صورة غزلان تمرح أمام بيته في الولايات المتحدة الأمريكية خرجت لتوها من الغابة أو الحديقة القريبة من منزله، كانت تتجوّل في الحي بكل حرية بدون أي خوف أو وجل من القناصين والمشاكسين في تمازج رائع بين مكونات البيئة الطبيعية وبين وعي الإنسان وقد ارتقى في سلم التحضر.
المشهد بكل هالات الاندهاش المحيطة به يعكس دلالات ومفاهيم نحن في أمسّ الحاجة إليها، وهي استتباب ورسوخ الوعي المجتمعي بأهمية الحياة البرية، هذه الصورة الجميلة جعلتني استحضر بأسف بالغ الانتهاكات التي تتعرّض لها الحياة البرية لدينا من قِبل البعض الذين يصرّون بدون مبرر منطقي على الإضرار بالبيئة ومكوناتها، ولعل آخرها ضبط عدد من المتهمين من قِبل وزارة البيئة والشؤون المناخية وشرطة عُمان السلطانية في محمية جبل قهوان بمحافظة جنوب الشرقية متلبسين بصيد الوعل، وهناك الكثير من الممارسات المشابهة يتم ضبطها بواسطة مكتب حفظ البيئة التابع لديوان البلاط السلطاني وتُّنشر وقائعها في وسائل الإعلام وتمثل انتهاكا بشعا للحياة الفطرية في السلطنة في تجاوز وتحد واضح للقانون، تلك التجاوزات تتطلب تغليظ العقوبات ردعا لكل من تسوّل له نفسه الإضرار بالبيئة بذلك النحو فادح العواقب.
ما يجب أن نعيه كمجتمع بأن هذه الحيوانات النادرة تشكّل ثروة وطنية يتطلب الحفاظ عليها فالغزلان والمها والوعل العربي وغيرها تكاثرت بعد جهود خارقة بُذلت لتوفير الأمن والأمان لها في المحميات الطبيعية، وإدامة الحراسات من قِبل فرق المراقبة، كما اتّخذت كافة الاحتياطات لكي تبقى أبدا كجزء أصيل من مكونات البيئة العُمانية.
كما أن القوانين في السلطنة جرّمت الاعتداء على هذه الثروة الطبيعية وفقا لمنطوق المرسوم السلطاني السامي رقم 6/ 2003، والصادر بشأن قانون المحميات الطبيعية وصون الأحياء الفطرية، فقد نصّت المادة 15 بالحكم على: "كل من قام عمدا بقتل أو صيد أو تهريب أي من الحيوانات أو الطيور المبينة بالملحق رقم (1) أو أي مواد جينية منها بالسجن مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد على خمس سنوات وبغرامة لا تقل عن 1000 ريال ولا تزيد عن 5000 ريال أو بإحدى هاتين العقوبتين"، وعلى الرغم من كل ذلك، إلا أن الأيادي الآثمة ما برحت تصل لها بطرقها الملتوية بقصد التهريب خاصة الغزلان والوعل والظباء التي تستهوي بعض الأثرياء لالتهام لحومها الشهية، غير آبهين بما يلحقونه من أضرار بالحياة الفطرية.
في الوقت الذي تُبذل فيه جهود كبيرة من جانب عدة جهات حكومية في الحفاظ على المكونات الطبيعية النادرة كالغزلان والمها وغيرها من الحيوانات المهددة بالانقراض وتوطينها في مواطنها الأصلية مثل المها العربي الذي وطن في جدة الحراسيس بمحافظة الوسطى عام 1974 عندما صدرت الأوامر السامية من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله- ووصلت الدفعة الأولى من المها عام 1980.
نأمل الحفاظ على هذه الثروة النادرة من خلال وعي مجتمعي عميق بمكونات البيئة وضرورة المحافظة عليها والإبلاغ الفوري عن كل مَن ينتهك القانون وتنفيذ الأحكام الرادعة بحقه.