صناعة الأمل في العراق

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ٠٦/أغسطس/٢٠١٨ ٠١:٣٧ ص
صناعة الأمل في العراق

باميلا كسرواني

سهام جرجيس أو كما تُعرف بالعراق «أم الخير» تبهرك بعفويتها واندفاعها حتى لو لم تلتقِ بها وجهاً لوجه؛ شعور راودنا عند الحديث معها هاتفياً هي التي تواصل مساعدة المحتاجين في وطنها حتى بعد سنوات من مغادرته.تحدثنا الدكتورة سهام جرجيس العراقية عن حياتها التي أمضتها في مساعدة الأرامل والأطفال وكل المحتاجين من دون أي دعم وبمجهود شخصي.

هذه الأم العراقية وملكة جمال العراق السابقة التي تربّعت عرش الجمال سنة 1961 تحوّلت إلى ناشطة إنسانية بمجهود خاص. وتخبرنا «ما دفعني للعمل الإنساني هو إنسانيّتي التي أحملها داخلي والحروب التي حصلت والحوادث في الوطن العربي وخاصة في بلدي العراق. كل هذه الأمور دفعتني إلى المزيد من العمل لتقديم المساعدة لكل محتاج».

لم تؤسس جمعية لأنها لم تحصل على موافقة من حكومية إلا أن الأمر لم يحُل دون أن تواصل العمل بنفسها وتحيط نفسها بفريق من المتطوعين الشباب والبنات لإنجاز كل نشاطاتها.
اهتمت بالأرامل والأطفال وأيضاً بكل الشرائح التي تحتاج إلى مساعدة لاسيما مع كل ما خلفته الحروب من مرضى وجرحى ومهجرين. وتضيف «لكن المرأة هي أساس المجتمع والطفل. فإذا لا نربّيه تربية صالحة، نلقاه بالشارع. نهتم بتربية جيل صالح ومفيد للإنسانية. ولكن، كيف نجحت جرجيس، على أرض الواقع، في مساعدات آلاف الحالات من دون أي دعم كان؟ هنا تجيبنا «أنا لا أختار، تصلني مناشدات من كل العالم لأن العراق محتاج إلى مساعدة كبيرة. على سبيل المثال، متى تصلني حالة لإنسان مريض يحتاج إلى الخضوع لعملية جراحية، أنشر صورته وعنوانه على شبكات التواصل الاجتماعي ويبدأ الناس بالتبرع».
وبالفعل، نجحت جرجيس بفضل هذه الشبكات وتحديداً إنستغرام حيث لديها أكثر من 80 ألف متابع على كسب ثقة الخيّرين والمتبرعين الذين يلبّون نداءاتها ومناشدتها على الدوام. ويعود الفضل إلى أنها تتأكد بنفسها عن صحة الحالات التي تصلها وتوثّق كل المعلومات التي تحصل عليها على حسابها الاجتماعي. فتخبرنا «أنا أذهب بنفسي لأتأكد من الحالة لاسيما أننا نواجه، في الآونة الأخيرة، الكثير من حالات كاذبة لأسباب تجارية».
وتضيف «أولاً، أساعد مادياً بتخصيص راتب شهري وثانياً، أحاول إطلاق مشاريع للمرأة الأرملة مثل الخياطة، وصالون تجميل، وميني سوبرماركت حتى تصبح مستقلة في الحياة».
حالات كثيرة في كل محافظات العراق وتقول جرجيس: «لا أعرف عدد الأشخاص بالتحديد... بالآلاف وبكل مناطق العراق، من الشرق إلى الغرب، من الشمال للجنوب (..) باختصار، كل الحالات التي أرى أنها تستوجب المساعدة، دائماً أكون السباقة للمساعدة».
حالات في دار المسنين ودور ذوي الاحتياجات الخاصة، وملاجئ الأيتام، ومخيمات اللاجئين، وأرامل وعائلاتهنّ عملت جرجيس على تقديم يد العون لها. وتخبرنا عن أرملة، مثلاً، تملك بيتاً إلا أن الإمكانية غير متوفرة. وتضيف: «بفضل مبادرة شخصية بيني وبين صديقاتي وحفيداتي، خصصنا لهذه المرأة راتباً شهرياً؛ ما يساعدها على إعالة عائلتها والتركيز على تربيتهم».
كثيرة هي قصص المعاناة والمآسي التي صادفتها جرجيس. وتكشف لنا قصة أرملة لم تكن تملك الأكل ولا ملابس وبيتها مهدم. وتتابع: «أخبرني جيرانها أنها تريد الانتحار، وأنها أرادت شراء سم لتقتل نفسها وأطفالها. توجهت فوراً إلى منزلها ورأيت الوضع البائس التي كانت فيه والذي لا يتحمله البشر. أعدت بناء منزلها وخصصت لها راتباً شهرياً، وفتحت ميني سوبرماركت بحيث يكون عندها باب رزق دائم».
كما أن جرجيس تخبرنا عن أرملة أخرى تعيش في الصحراء على قطعة أرض تملكها إلا أن منزلها مهدم وتعجز عن النوم ليلاً بسبب الأفاعي والعقارب، فبنت لها بيتاً.
لا تنتهي القصص التي ما زالت تدفع جرجيس إلى المثابرة وإكمال مشوارها الإنساني حتى أنها أعلنت أنها ستخصص جائزة «صناع الأمل» الإماراتية التي فازت بها هذا العام للأرامل والأيتام لبناء البيوت لأن الكثير منهم ما زالوا يعيشون في خيم اللاجئين».
وتكشف لنا: «باشرت بالبيت الأول كما أنني سأبني مصنع مياه تذهب كل أرباحه للفقراء لاسيما أن اللاجئين قد يعودون لمنازلهم ولكن مع الوضع في العراق، سيكون لدينا الكثير من الفقراء. هذا المصنع سيساعدني لئلا أعتمد على المساعدات فحسب لا بل على العمل على نحو مساعدة مستدامة».
مشاريع لا تنتهي تضف عليها مهمة بناء المدارس أو على الأقل صفوف الروضة والتمهيدي للأطفال لاسيما في المخيمات حيث تقول جرجيس: «أقلّها يتعلموا القراءة والكتابة إلى أن يعودوا إلى ديارهم». ويبقى الأهم اندفاع «أم الخير» المستمر على الرغم من التحديات الكثيرة في العراق خاصة بسبب الوضع الأمني واختلاف الآراء واختلاف نظرة المجتمع للفقراء والمشردين. وتضيف «التحدي الأكبر هو المال. فلو أملك الإمكانية الكافية، أستطيع أن أبني بها ميتم ومدرسة للإصلاح وانجاز الكثير من المشاريع».

متخصصة في الثقافة والموضوعات الاجتماعية والمبادرات